في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها رسائل القوة مع حسابات الردع، تبدو دول الخليج أمام اختبار دقيق لإدارة واحدة من أكثر الملفات حساسية في الجغرافيا السياسية المعاصرة: العلاقة مع إيران، وما يتفرع عنها من احتمالات التصعيد أو الانفجار أو التسوية الباردة طويلة الأمد.
ما يميز الموقف الخليجي في هذه المرحلة ليس الاندفاع، بل الحذر المحسوب. فبينما تتصاعد التوترات في الإقليم، وتتعالى أصوات المواجهة في أكثر من ساحة، تذهب دول الخليج نحو مقاربة مختلفة تقوم على تقليل المخاطر، وتجنب الانخراط المباشر في صراع قد تتجاوز كلفته حدود أي مكسب سياسي أو أمني محتمل.
هذا التوجه لا يعكس ضعفاً في الإرادة، بل إدراكاً عميقاً لطبيعة التوازنات. فالحرب مع إيران، في حال انفجارها، لن تكون مواجهة تقليدية محدودة، بل صراعاً مفتوحاً على جغرافيا الخليج وممراته البحرية واقتصاده الحيوي وأمنه الداخلي. ولذلك فإن سياسة “التحصين الهادئ” تبدو أقرب إلى العقلانية منها إلى التردد.
في جوهر هذا الموقف، تقف قناعة متنامية بأن إدارة الصراع لا تعني بالضرورة الانخراط فيه. فدول الخليج، التي خبرت تحولات الإقليم لعقود، باتت أكثر ميلاً لفهم أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى أيضاً عبر تقليل العداء، وفتح قنوات التهدئة، وإبقاء مسارات التواصل قائمة حتى في أصعب اللحظات.
ومن هنا يمكن فهم هذا السلوك السياسي بوصفه استقلالية في القرار، لا تبعية لأي محور. فهو يقوم على قراءة دقيقة لموازين القوى، وعلى إدراك بأن الجغرافيا لا تسمح بالمغامرات الطويلة، وأن التاريخ القريب أثبت أن كلفة الصراع في المنطقة غالباً ما تكون أعلى من أي نتائج سياسية مباشرة، والنظام الإيراني الحالي ليس أبدي والعلاقة مع الشعوب الإيرانية هي المستقبل.
في المقابل، تبدو إيران لاعباً يستفيد، بطريقة أو بأخرى، من وجود هذا النمط من الحكمة الخليجية. فغياب الانزلاق إلى المواجهة الشاملة يمنحها مساحة للحركة، لكنه في الوقت ذاته يضع عليها قيوداً غير مباشرة، لأن الاستقرار الخليجي يحد من قدرة أي طرف على توسيع نطاق الصراع أو تحويله إلى حرب مفتوحة.
إنها معادلة معقدة، لكنها ليست بلا منطق: خليجٌ يفضل إدارة التوتر على تفجيره، وإيران تتحرك داخل مساحة محسوبة لا تسمح لها بكسر التوازن بالكامل، ولا تسمح لخصومها أيضاً بفرض حسم عسكري نهائي.
في النهاية، يمكن القول إن الحكمة الخليجية في هذه المرحلة ليست تفصيلاً ثانوياً في المشهد، بل هي عنصر توازن أساسي في نظام إقليمي هش. فبين منطق القوة ومنطق الفوضى، يظهر خيار ثالث أكثر هدوءاً: احتواء الصراع بدل الوقوع فيه، وإبقاء المنطقة على حافة الاستقرار بدل دفعها إلى الهاوية.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة: فإيران، بكل تعقيدات سلوكها الإقليمي، تبدو محظوظة بوجود هذا القدر من الحكمة في محيطها الخليجي، كما أن الخليج نفسه يدرك أن هذه الحكمة ليست تفضيلاً أخلاقياً فقط، بل ضرورة وجودية تفرضها الجغرافيا والتاريخ معاً.

