ماذا تخفي قمم ترمب وبوتين في بكين؟

1



تزامن زيارتي ترمب وبوتين إلى بكين أثار تساؤلات حول دور صيني – روسي خفي لاحتواء حرب إيران وفتح قنوات تفاوض غير معلنة بين واشنطن وطهران

إنجي مجدي صحافية

تزامن زيارات ترمب وبوتين إلى الصين أثار تساؤلات حول وجود تحركات خفية لإنهاء حرب إيران

ملخص
يثير تزامن زيارات ترمب وبوتين إلى الصين تساؤلات حول وجود تحركات دبلوماسية خلف الكواليس لإنهاء حرب إيران، فالصين التي تعتمد بصورة كبيرة على النفط الإيراني، تواجه تداعيات اقتصادية خطرة جراء الحرب وارتفاع أسعار الطاقة، مما يدفعها إلى دعم جهود التهدئة. وفي المقابل، تسعى موسكو إلى لعب دور قناة خلفية بين طهران وواشنطن وتل أبيب، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة بالأطراف كافة. وتشير تقارير وتحركات سياسية متزامنة إلى احتمال وجود تنسيق غير معلن بين الدول الثلاث، لاحتواء التصعيد وتهيئة ظروف تسوية سياسية محتملة.

ما أن عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأسبوع الماضي من زيارته الأولى إلى الصين منذ عام 2017، حتى حطت طائرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بكين لعقد قمة مع نظيره الصيني شي جينبيغ، الذي انتهى لتوه من قمته مع نظيره الأميركي، في مشهد يوحي بنجاح الصين في وضع نفسها باعتبارها المحور المركزي لسياسات القوى العظمى، غير أن تتابع الزيارات أثار ترقباً وتساؤلاً عما إذا كان توقيت الزيارتين يتعلق بجهود دبلوماسية خلف الكواليس لإنهاء حرب إيران.

تحتاج الصين إلى النفط الإيراني، إذ إنها أكبر مستورد للنفط الخام في العالم والمشتري الرئيس للنفط القادم من إيران. فوفق بيانات شركة “كبلر” للتحليلات فإن الصين تشتري ما يقارب 80 في المئة من النفط الإيراني المنقول من خلال الشحن، الذي ليس له كثير من المشترين، بسبب العقوبات الأميركية التي تهدف إلى قطع التمويل عن برنامج طهران النووي، كما تعتمد شركات تكرير مستقلة في مقاطعة شاندونغ الصينية على الخام الإيراني.

اقتصاد الصين
وبطبيعة الحال أضرت الحرب التي أدت إلى ارتفاع صاروخي في أسعار الطاقة بواردات الصين، فضلاً عن الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية في مضيق هرمز، فعلى رغم مخزوناتها من الطاقة فإن نقص الواردات القادمة من الشرق الأوسط يهدد خطط بكين طويلة الأمد. ووفق الباحث في العلاقات الدولية شين دينغلي، فإن “الحرب تقوض بصورة عميقة أمن الطاقة الصيني، وأن ذلك يجب أخذه في الاعتبار في ما يتعلق بخططها المحتملة لغزو تايوان في المستقبل”، مضيفاً “على الصين أن تفكر ما هي عواقب حدوث أزمة في تايوان بسبب انقطاع الطاقة؟”.

يمر نحو خمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم عادة عبر المضيق (أ ف ب) .jpeg
يمر نحو خمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم عادة عبر المضيق (أ ف ب)
لا يتعلق الأمر بالنفط فقط، فقد تؤدي الحرب في الشرق الأوسط إلى ركود عالمي، وبما أن الاقتصاد الصيني يعتمد بصورة كبيرة على الصادرات التي تشكل نحو خمس الناتج المحلي الإجمالي، فإن ذلك سيشكل ضربة للنمو الاقتصادي في البلاد، وقال المحاضر في السياسة الدولية بجامعة إكستر أندريا غيسيلي “في البداية كان لدى الصين ما تكسبه، لكن الآن أعتقد أنهم يريدون حقاً أن ينتهي هذا الأمر، والصينيون لا يريدون أياً من هذا”.

وعندما بدأت الحرب في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي توقع مراقبون بعض المكاسب قصيرة الأجل للصين، ورأى آخرون أن بكين ستستفيد من غرق الولايات المتحدة في حرب جديدة في الشرق الأوسط، فقد أضرت أسعار النفط المرتفعة بالولايات المتحدة أكثر من الصين، وأضعفت الحرب صدقية ترمب على الساحة العالمية، واستنزفت موارد عسكرية أميركية مهمة، وشتتت الانتباه السياسي في واشنطن بعيداً من بكين والتهديدات الأمنية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وكذلك فإن مخزونات الصين من الوقود الأحفوري وتنوع مصادر الطاقة لديها حمياها من أسوأ آثار صدمة النفط، غير أن تلك التوقعات كانت مفرطة في تقدير مكاسب الصين أو أهملت التأثيرات السلبية في الاقتصاد.

حذر ووساطة صينية
منذ بداية الأزمة في الشرق الأوسط، بدت الصين حذرة وتعاملت بدبلوماسية كلاسيكية هادئة من دون دور واضح مكتفية بإدانة الضربات على إيران والتحذير من الأخطار الإنسانية والاقتصادية الناجمة عن التصعيد، والدعوة إلى الحوار الدبلوماسي. وفي ظل الحصار البحري الأميركي للموانئ الإيرانية الذي يمثل تهديداً مباشراً ومتزايداً، كثفت بكين جهودها الدبلوماسية، وتجنبت توجيه انتقادات لاذعة لترمب في شأن إدارته للحرب، وذلك لضمان سير القمة بسلاسة، بعد تأجيلها مرة واحدة بسبب النزاع.

وأسهم نهج الصين المتوازن في الحرب في حماية نفوذها عبر القنوات غير الرسمية، لدرجة أن ترمب أشاد ببكين لمساهمتها في دفع إيران إلى محادثات السلام التي ترعاها باكستان، كما سعت الشهر الماضي إلى تقديم مقترح سلام من أربع نقاط يدعو إلى التعايش السلمي، والسيادة الوطنية، وسيادة القانون الدولي، وتحقيق التوازن بين التنمية والأمن.

روسيا قناة خلفية
ومن جانب آخر، يمكن لروسيا أن تلعب دور وساطة لإنهاء الحرب، ففي الأيام الأولي للحرب توقع المراقبون أن تسهم موسكو بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في أية مفاوضات محتملة. ومع بدء الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما ضد إيران، دعت موسكو إلى وقف العمليات العسكرية وعرضت التوسط بين الأطراف المتصارعة. وقالت وزارة الخارجية الروسية، في بيان بتاريخ الـ28 من فبراير (شباط)، “إن روسيا، كما هو الحال دائماً، مستعدة للمساعدة في دفع حلول سلمية تستند إلى القانون الدولي والاحترام المتبادل ومراعاة مصالح جميع الأطراف بصورة متوازنة”.

مساع مكثفة لحلحلة عقدتي هرمز والنووي وقمة صينية – روسية في بكين
ووفق الزميل لدى مركز الاستراتيجيات الأوراسية الجديدة روسلان سليمانوف، فإن روسيا تستطيع أن تكون قناة خلفية لتبادل الرسائل بين الأطراف. ففي عام 2024، طلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من المرشد الإيراني علي خامنئي الرد بضبط النفس على اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية، الذي اغتالته إسرائيل داخل مقر إقامته في طهران.

وقبل يوم واحد من انتهاء “حرب الأيام الـ12” في يونيو (حزيران) الماضي، استقبل بوتين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في الكرملين، وفي اليوم التالي جرى التوصل إلى وقف إطلاق نار بين إيران وإسرائيل. كما أفادت تقارير صحافية بأن إيران وإسرائيل تبادلتا رسائل سرية عبر موسكو خلال عام 2025 لمنع التصعيد، وليس للوصول إلى اتفاق رسمي لوقف إطلاق النار.

واستقبل بوتين علي لاريجاني، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ثلاث مرات خلال ستة أشهر، في يوليو (تموز) وأكتوبر (تشرين الأول) ثم يناير (كانون الثاني)، وأكد الجانب الإيراني أن لاريجاني نقل خلال إحدى تلك الزيارات رسالة خاصة من خامنئي إلى بوتين.

وبطبيعة الحال، فإن الوساطة الروسية لإنهاء حرب إيران وحتى الضغط على طهران للقبول باتفاق نووي يرضي واشنطن، من شأنها أن تفتح لموسكو مجالاً للمناورة ومحاولة استغلال الفرضة لتحقيق مكاسب في ملف أوكرانيا، وقد يشكل ملف اليورانيوم جزءاً من أي اتفاق مستقبلي إذا تحقق وقف إطلاق النار. فروسيا، بصفتها أقرب شريك دبلوماسي لإيران، قد تساعد في نقل اليورانيوم المخصب خارج إيران.

ومن بين السيناريوهات المطروحة نقل مخزون إيران المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المئة إلى روسيا، ولدى موسكو خبرة سابقة في هذا المجال، إذ نقلت إيران عام 2015 ما بين 9 و11 طناً من اليورانيوم المخصب إلى روسيا في مقابل حصولها على 137 طناً من خام اليورانيوم لاستخدامه في برامج الطاقة النووية.

مثلث دبلوماسي خلفي
هذه التشابكات بين القوى الكبرى، ربما تشير إلى أن مثلث غير رسمي محتمل بين ترمب وبوتين وشي يسعى إلى إنهاء الحرب عبر القنوات الدبلوماسية الخفية، إذ يرجح المراقبون أن ثمة وساطة خفية تتعلق بتبادل الرسائل بين الأطراف المتصارعة.

وجاءت زيارات ترمب وبوتين للصين في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة ودول خليجية إلى تمرير مشروع قرار جديد في مجلس الأمن يهدف إلى ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، متضمناً التلويح بعقوبات وإجراءات إضافية في حال استمرار استهداف السفن التجارية وفرض رسوم عبور، وقد أجرت واشنطن تعديلات على النص بحذف الإشارة المباشرة إلى الفصل السابع، في محاولة لتجنب اعتراض موسكو وبكين، بعدما أسقطتا مشروعاً مشابهاً في أبريل (نيسان) الماضي.

ويقول مراقبون أنه يمكن لروسيا والصين، بالتنسيق مع واشنطن، أن تسهل إصدار قرار من مجلس الأمن في هذا الصدد. ويظهر امتناع الكرملين في الـ11 من مارس عن استخدام الفيتو ضد قرار أممي يدعو طهران إلى وقف مهاجمة دول الخليج، أن موسكو لا ترغب في مواجهة مباشرة مع واشنطن بسبب إيران، بل تميل إلى التعاون معها في هذا الملف.

التعليقات معطلة.