بماذا تعتمد إيران في عدم خضوعها؟ على قوتها أم على المعادلة الدولية التي حمتها حتى اللحظة؟

6

 

من يراقب السلوك الإيراني خلال العقود الأربعة الماضية، يكتشف أن طهران لم تكن دولة تتصرف بعقلية القوة المطلقة، بقدر ما كانت تتقن اللعب داخل الفراغات الدولية. فهي تعرف جيداً حدود قوتها الحقيقية، وتعرف أكثر أن مشروعها ما كان ليستمر بهذا الشكل لولا وجود بيئة دولية سمحت له بالنمو، وأحياناً وفّرت له الحماية المباشرة وغير المباشرة.

إيران اليوم تحاول تسويق نفسها باعتبارها “الدولة التي لا تخضع” ، لكن القراءة الواقعية تقول إن عدم خضوعها لم يكن نتيجة تفوق عسكري ساحق، ولا بسبب اقتصاد عملاق، ولا حتى نتيجة تفوق تكنولوجي شامل، بل بسبب شبكة معقدة من التوازنات الدولية والمصالح المتقاطعة التي جعلت إسقاط النظام الإيراني أو تحطيم مشروعه قراراً مكلفاً للكثير من القوى الكبرى.

فالقوة الإيرانية، رغم ضجيجها الإعلامي، ليست قوة تقليدية قادرة على مواجهة الولايات المتحدة أو الغرب في حرب مفتوحة وطويلة. الجيش الإيراني منهك بالعقوبات، والاقتصاد يعيش تحت ضغط خانق، والبنية الاجتماعية الداخلية تعاني من التآكل والاحتقان والانقسام. لكن إيران عوّضت هذا النقص عبر استراتيجية مختلفة: صناعة الفوضى الإقليمية، وتصدير الأذرع، وتحويل المنطقة إلى شبكة اشتباك دائم تجعل أي استهداف مباشر لها يهدد بإشعال الشرق الأوسط بالكامل.

هنا تحديداً تكمن “القوة الحقيقية” لإيران؛ ليس في قدرتها على الانتصار، بل في قدرتها على جعل الجميع يخشون تكلفة إسقاطها.

لقد فهمت طهران مبكراً أن العالم لا يتحرك بالأخلاق، بل بالمصالح. لذلك بنت مشروعها على قاعدة خطيرة: كلما توسعت الفوضى، ازدادت حاجات القوى الكبرى إلى وجود “دور إيراني” داخل المعادلة. ومن هنا تحولت إيران من دولة معزولة إلى لاعب يتم استدعاؤه في كل ملفات المنطقة: العراق، سوريا، لبنان، اليمن، الخليج، وحتى أمن الطاقة العالمي.

الولايات المتحدة نفسها، رغم خطابها العدائي، ساهمت بشكل أو بآخر في تكريس هذه المعادلة. فمنذ إسقاط بغداد عام ٢٠٠٣، دخلت المنطقة مرحلة إعادة تشكيل سمحت لإيران بالتمدد الاستراتيجي غير المسبوق. ومع كل أزمة، كانت واشنطن تتراجع عن الحسم الكامل، لأنها تخشى أن يؤدي انهيار النظام الإيراني إلى انفجار إقليمي أكبر، أو إلى صعود قوى أكثر خطورة، أو إلى فوضى لا يمكن التحكم بها.

أما أوروبا، فهي تنظر إلى إيران من زاوية مختلفة: ملف الطاقة، أمن الملاحة، الهجرة، والاستقرار الإقليمي. لذلك بقيت العواصم الأوروبية تميل إلى “الاحتواء” لا إلى المواجهة الشاملة. وحتى روسيا والصين، ورغم اختلاف المصالح، وجدتا في إيران ورقة استراتيجية لمواجهة النفوذ الأمريكي وإرباك الغرب في الشرق الأوسط.

بمعنى آخر، إيران لم تكن محمية بقوتها فقط، بل محمية أيضاً بخوف العالم من تداعيات سقوطها.

لكن هذه المعادلة ليست أبدية.

فالتحولات الأخيرة تشير إلى أن هامش المناورة الإيراني بدأ يضيق تدريجياً. هناك تعب دولي من سياسة الابتزاز الإقليمي، وهناك إدراك متزايد أن ترك المشروع الإيراني يتمدد بلا سقف سيقود المنطقة إلى سباق تسلح خطير، وربما إلى انفجار أكبر مستقبلاً. كما أن الداخل الإيراني نفسه لم يعد متماسكاً كما كان، خصوصاً مع الأزمات الاقتصادية والاحتجاجات المتكررة وتآكل صورة “الدولة المقاومة” لدى شرائح واسعة من الشعب الإيراني.

السؤال الأخطر الآن ليس: هل تستطيع إيران الصمود؟ بل: هل تستطيع الاستمرار بالاعتماد على المعادلة الدولية نفسها؟

لأن الدول الكبرى حين تتغير مصالحها، تتغير معها كل قواعد اللعبة. والتاريخ مليء بأنظمة ظنت أن التوازنات الدولية تحميها إلى الأبد، ثم اكتشفت فجأة أنها تُركت وحدها في منتصف العاصفة.

إيران حتى اللحظة لا تقف فقط على قوة السلاح، بل على حافة التوازن الدولي ذاته. وإذا اختل هذا التوازن، فإن كل المشروع الذي بُني خلال عقود قد يدخل مرحلة الاختبار الحقيقي لأول مرة.

التعليقات معطلة.