إشارات من بترايوس: لا مهلة إضافية للفصائل والدولار ورقة واشنطن
بغداد/ تميم الحسن
وصلت إلى بغداد، بحسب معلومات حصلت عليها “المدى”، أولى الإشارات الأميركية على الرسالة التي نُقلت عبر الجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد بترايوس، لكنها لم تحمل ما كانت تنتظره القوى الشيعية الساعية إلى كسب الوقت.
وتصف مصادر سياسية هذه الردود بأنها “غير مطمئنة”، فيما تعزز الانطباع داخل أوساط “الإطار التنسيقي” بأن واشنطن حسمت موقفها من ملف الفصائل المسلحة، وأن مساحة المناورة التي حاولت بغداد فتحها خلال الأسابيع الماضية تبدو أضيق مما كان يُعتقد.
وفي اللحظة التي كانت بعض قوى “الإطار” تبحث عن مخارج سياسية لتسوية ملف السلاح مقابل الحفاظ على نفوذها داخل الحكومة الجديدة، باغت مقتدى الصدر، زعيم التيار الوطني الشيعي (الصدري)، خصومه بخطوة سبقت الجميع، معلناً فك ارتباط “سرايا السلام” بالتيار، الأمر الذي وضع بقية الفصائل أمام استحقاق لم تعد قادرة على تأجيله بسهولة.
وبينما يتقدم الصدر خطوة إلى الأمام في ملف السلاح، تبدو القوى الشيعية الأخرى وكأنها تتقدم خطوة وتتراجع أخرى، وسط ارتباك واضح في كيفية التعامل مع الضغوط الأميركية المتصاعدة، والمخاوف من أن تتحول عملية نزع السلاح من مجرد إعادة تنظيم للفصائل إلى مسار أوسع قد ينتهي بإعادة تعريف موقع “الحشد الشعبي” نفسه داخل الدولة.
وخلال عطلة العيد الأخيرة، انشغلت الأوساط الشيعية بمراجعة خياراتها وسط تسريبات تحدثت عن خلافات بشأن آليات تفكيك المقرات المسلحة، وشكل الاندماج داخل المؤسسات الأمنية، والجهات التي سترفض الانصياع لأي تسوية جديدة.
تحذيرات قطعية
وتقول مصادر سياسية مقربة من «الإطار التنسيقي» لـ«المدى» إن رسائل أميركية «قاطعة وغير قابلة للتفاوض» وصلت إلى قادة سياسيين عراقيين عقب زيارة بترايوس إلى بغداد، وتضمنت رفضاً صريحاً لتولي أي شخصية محسوبة على الفصائل المسلحة حقائب وزارية في الحكومة الجديدة.
وبحسب المصادر، فإن واشنطن ربطت موقفها هذا بملفات اقتصادية ومالية حساسة، من بينها شحنات الدولار والأرصدة العراقية، فضلاً عن اعتبارات تتصل بالمصالح الأميركية والإقليمية والخليجية.
وتضيف المصادر أن بعض القيادات السياسية فضلت التكتم على مضمون تلك الرسائل خشية تفجير أزمة جديدة داخل «الإطار التنسيقي»، فيما يجري التداول بخيارات بديلة تقوم على تقديم شخصيات توصف بأنها «تكنوقراط مستقلة» لإدارة الوزارات الخلافية، في محاولة لتجنب صدام سياسي قد ينعكس على الوضع الاقتصادي.
وفي أول تعليق أميركي على الزيارة المثيرة للجدل، قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ«المدى» إن ديفيد بترايوس «مواطن عادي ولا يؤدي أي دور رسمي مع البعثة الدبلوماسية الأميركية في العراق».
وجاء الموقف الأميركي بعد تقرير نشرته «المدى» الأسبوع الماضي عن ظهور بترايوس في بغداد للمرة الأولى منذ نحو عقدين، وسط معلومات عن مبادرة عراقية هدفت إلى الحصول على فترة تهدئة تمتد لعدة أشهر قبل اتخاذ قرارات نهائية تتعلق بالفصائل المسلحة.
ورغم نفي المصادر أن يكون بترايوس مبعوثاً رسمياً من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فإنها أكدت أن رئيس الوزراء علي الزيدي استعان بعلاقته القديمة مع الجنرال الأميركي، العائدة إلى سنوات «الصحوات» بين عامي 2006 و2007، لمحاولة إيجاد قناة اتصال غير مباشرة مع واشنطن وتخفيف احتمالات المواجهة مع الفصائل.
وبحسب تلك الرواية، حمل بترايوس رسالة عراقية تطلب منح بغداد مهلة ثلاثة أشهر لوضع الفصائل تحت مراقبة صارمة، على أن تلتزم الحكومة بإلغاء أي تفاهمات فوراً إذا عادت الهجمات ضد أربيل أو السفارات أو المنشآت الحيوية، وهي معلومات لم يتسنَّ التحقق منها بشكل مستقل.
الزيدي والصدر
وفي خطوة أربكت حسابات خصومه داخل البيت الشيعي، أعلن زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر فك ارتباط «سرايا السلام» بالتيار، مع تحويل تشكيلاتها المدنية إلى مؤسسات رسمية خالية من السلاح والمقرات والعناوين التنظيمية، مؤكداً أن القرار جاء انطلاقاً من «المصلحة العامة».
ولم يكتف الصدر بإعلان التخلي عن الذراع العسكرية للتيار، بل دعا بقية فصائل الحشد إلى الابتعاد عن الأطر الحزبية والطائفية والانضواء الكامل تحت سلطة الدولة وتسليم السلاح، ضمن رؤية تقوم على حصر السلاح بيد الحكومة وتنظيم عمل التشكيلات المسلحة وفق أطر قانونية وزمنية محددة.
وبدت الخطوة، في نظر مراقبين، وكأنها محاولة لاستباق الضغوط الداخلية والخارجية المتعلقة بملف السلاح، ووضع بقية الفصائل أمام استحقاق مماثل قد يصعب عليها تجاهله في المرحلة المقبلة.
ويرى الباحث والأكاديمي محمد نعناع أن ما يجري يتجاوز مجرد ملف السلاح، قائلاً لـ«المدى» إن حصر السلاح بيد الدولة «ليس الهدف الوحيد في عملية بناء الدولة بل الهدف الأول فقط، يليه محاسبة القتلة والفاسدين»، مضيفاً أن ما بدأه الصدر بإرادته «لن يكون متاحاً للآخرين الذين سيُجبرون على ما لا يريدون».
وسرعان ما انتقلت المبادرة من مستوى الإعلان السياسي إلى الجانب التنفيذي، إذ أعلنت اللجنة المكلفة من قبل الصدر، يوم الجمعة الماضية، عقد أول اجتماعاتها لمتابعة إجراءات فك ارتباط «سرايا السلام» بصورة رسمية.
وقال المكتب الخاص للصدر، في بيان، إن اللجنة باشرت أعمالها تنفيذاً لتوجيهات زعيم التيار التي نصت على استكمال إجراءات انفكاك الجانب العسكري لـ«سرايا السلام» عن التيار الوطني الشيعي خلال مدة أقصاها أسبوع واحد، ومتابعة الجوانب التنظيمية والإدارية المرتبطة بالقرار.
وكانت معلومات قد حصلت عليها «المدى» أاشارت إلى أن رئيس الوزراء علي الزيدي يعتزم، خلال المائة يوم الأولى من عمر حكومته، وضع آليات خاصة للتعامل مع «الفصائل الستة المدرجة على القائمة السوداء الأميركية»، بالتوازي مع إعادة فتح عدد من ملفات الفساد الكبرى، من بينها قضية نور زهير.
وبحسب تلك المعلومات، فإن الزيدي أجرى بعيداً عن الأضواء سلسلة مشاورات مع الفصائل المسلحة خلال فترة تكليفه، ضمن لجنة ثلاثية ضمت أيضاً رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني وزعيم منظمة بدر هادي العامري. وتشير المعطيات إلى أن تلك الحوارات انتهت إلى تفاهمات غير معلنة أفضت إلى استبعاد الجماعات المسلحة من الحصول على حقائب وزارية في الحكومة الجديدة.
وتتحدث تسريبات من داخل «الإطار التنسيقي» عن أن الزيدي حصل على «ضوء أخضر» للمضي في الإجراءات المتعلقة بملف السلاح، خلال الاتصال الذي جرى بينه وبين الصدر قبل نحو أسبوعين.
وكان الصدر قد وضع، منذ الأيام الأولى لتكليف الزيدي، تصوراً واضحاً لمعالجة الملف، حين دعا رئيس الوزراء المكلف، إلى تحويل الفصائل المسلحة إلى تشكيل يحمل اسم «جند الشعائر الدينية» تحت إشراف هيئة الحج والعمرة، أو إلى مؤسسات إنسانية متخصصة بالإغاثة والمعونات، مع اعتبار أي جهة ترفض ذلك «خارجة عن القانون».
وقال الصدر آنذاك: «إن فعلوا فأنا على استعداد لحل تشكيل لواء اليوم الموعود وتسليم سرايا السلام إلى القائد العام للقوات المسلحة، كما ينبغي على الجميع فعل ذلك بأسرع وقت ممكن».
وتأتي هذه الخطوات ضمن سلسلة مراجعات داخلية كان الصدر قد بدأها قبل نحو شهر، شملت إبعاد عدد من القيادات وتجريد مجموعة من أتباعه من السيارات والأسلحة، فضلاً عن طرد العشرات من التيار، في ما وصفه مقربون منه بأنه مسار لإعادة هيكلة التنظيم وترتيب أوضاعه استعداداً لمرحلة سياسية مختلفة.
انقسام الفصائل
في مقابل خطوة مقتدى الصدر، تشير المعطيات داخل «الإطار التنسيقي» إلى وجود انقسام واضح في المواقف بشأن ملف السلاح. فبحسب وزير الصحة عبد الحسين الموسوي، القيادي في حزب الفضيلة، فإن 5 فصائل من اصل 7 أبدت موافقتها على المضي في مسار نزع السلاح مقابل ضمانات.
وتُرجح أوساط سياسية أن هذه الفصائل تضم «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي، ومنظمة بدر بقيادة هادي العامري، إلى جانب «كتائب سيد الشهداء» و«ثار الله» و«كتائب الإمام علي».
وتشير معلومات متقاطعة إلى أن العامري يتولى إدارة الجزء الأهم من المفاوضات الخاصة بملف الفصائل، عبر اللجنة التي تشكلت عقب تكليف الزيدي. ويُعتقد أن هذه اللجنة تعمل بالتوازي مع مشروع طرحه زعيم منظمة بدر يقضي بإنشاء «وزارة الأمن الاتحادي»، التي ستضم الحشد الشعبي والرد السريع والشرطة الاتحادية وقوات أمن الحدود، وربما قوات البيشمركة أيضاً.
ويرى محمود الحياني، عضو منظمة بدر، أن هذا المقترح يمثل «أفضل تخريج» لحماية حقوق منتسبي الحشد الشعبي وضمان خضوع التشكيلات المسلحة لسلطة الحكومة، مشيراً في حديث لـ«المدى» إلى تسريبات تتحدث عن موافقة مبدئية من الجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد بترايوس على الفكرة، في ظل غياب أي موقف أميركي رسمي معلن.
لكن رغم هذه الطروحات، لا تزال آلية التعامل مع الفصائل المسلحة غير واضحة بصورة كاملة. فبحسب معلومات سياسية، فإن مشاريع الدمج أو إعادة الهيكلة المطروحة قد لا تكون كافية لإقناع واشنطن، كما أنها لا تشكل بالضرورة ضمانة للفصائل بالحصول على مواقع داخل السلطة التنفيذية.
وكان الفيتو الأميركي قد أسهم، وفق مصادر سياسية، في تعطيل تمرير تسعة مرشحين للحقائب الوزارية، على خلفية رفض واشنطن منح أي منصب لشخصيات مرتبطة بالفصائل المسلحة أو محسوبة عليها.
في المقابل، تنظر بعض الأوساط الشيعية إلى ما يجري بوصفه مقدمة لاستهداف هيئة الحشد الشعبي نفسها. ويقول مسؤول في إحدى الجماعات المسلحة لـ«المدى» إن «نزع السلاح ليس سوى التفاف على الحشد الشعبي وتفكيكه تحت عناوين تسليم السلاح للحكومة أو فرض القانون استجابة للضغوط الأميركية”.
ويعكس هذا الموقف حجم الشكوك التي تسيطر على بعض الفصائل تجاه المسار الحالي، خصوصاً مع استمرار جماعات مؤثرة، مثل «النجباء» و«كتائب حزب الله»، في رفض أي حديث عن التخلي عن السلاح.
وفي هذا السياق، أعلنت مايسمى بـ«المقاومة الإسلامية في العراق» أنها لن تضع سلاحها أو تسلمه للحكومة «ما دام الاحتلال قائماً»، وفق مانقلته منصات إخبارية.
وأكد أبو مهدي الجعفري، المتحدث باسم «سرايا أولياء الدم»، والذي قدم نفسه ممثلاً لـ«المقاومة الإسلامية في العراق» في تصريحات متداولة، أن ملف نزع السلاح «ليس مطروحاً للنقاش في الوقت الراهن»، مضيفاً: «لا حديث عن وضع السلاح وتسليمه حتى ينتهي الظلم والاحتلال في العراق».
وانتقد الجعفري الجهات التي تدعو إلى نزع سلاح الفصائل، قائلاً إن تلك الأطراف «كانت تصف المقاومة بالأبطال في زمن الحرب، لكنها تنسى أسماء الذين حموا العراق عندما يحل السلم».
وبين فصائل أبدت استعداداً للانخراط في ترتيبات الدولة، وأخرى ما زالت ترفض مجرد مناقشة الملف، يبدو أن معركة السلاح في العراق لم تنتقل بعد إلى مرحلة التنفيذ، بل لا تزال تدور في مربع التفاهمات والضمانات المتبادلة، وسط ضغوط أميركية متزايدة ومخاوف داخلية من أن يقود المسار الحالي إلى إعادة رسم شكل الحشد الشعبي ودوره في المرحلة المقبلة.
“الإطار” في حالة ارتباك.. وشبح حل الحشد يخيم على المفاوضات

التعليقات معطلة.
