لندن- عربي21
يرى التحليل أن طهران لم تعد تلهث وراء “رفع العقوبات”- وكالة فارس
نشرت مجلة “فورين أفيرز” تحليلاً للباحثين نرجس باجوغلي وولي نصر، شرحا فيه كيف أدت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على طهران إلى ولادة “إيران جديدة”، لم تعد تُحكم بالأيديولوجيا الثورية، بل بعقيدة قومية تكنوقراطية صلبة.
ويرى الكاتبان أن “بوتقة الحرب” لم تؤدِ إلى انهيار النظام كما توقعت واشنطن، بل أطلقت يد “الجيل الثالث” من القادة التكنوقراط في الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية، وهم جيل لم يعرف سوى إيران ما بعد الثورة، ويتعامل مع الدولة ككيان يجب إدارته بكفاءة، لا كثورة يجب الدفاع عنها بالخطب الأيديولوجية.
وقال الكاتبان إنه بينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن من على متن طائرة “إير فورس وان” ما وصفه بـ “النصر الكامل والشامل” على ما سماه “الإمبراطورية الشريرة” في آذار/ مارس الماضي، كانت الحقائق على الأرض في طهران تنسج رواية مغايرة تماماً.
فالحرب التي شنتها الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي في شباط/ فبراير الماضي لم تكسر الجمهورية الإسلامية، بل أعادت صياغتها بطرق لم يتوقعها المخططون في واشنطن وتل أبيب، وفقا للتحليل.
صعود “الجيل الثالث”
لم تؤدِ عمليات “قطع الرأس” واغتيال القيادات التاريخية، بما في ذلك المرشد الأعلى السابق علي خامنئي في اليوم الأول للحرب، إلى انهيار النظام كما توقع الغرب.
بدلاً من ذلك، فُتح الباب لجيل جديد من قادة الحرس الثوري والمسؤولين الأمنيين المدنيين الذين ولدوا بعد ثورة 1979.
يؤكد باجوغلي ونصر أن هذا الجيل الجديد، الذي يقوده الآن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، يختلف جوهرياً عن مؤسسي الثورة؛ فهم لا يحملون “عقدة النقص” أو الحاجة المستمرة لإثبات شرعية الثورة، بل يتعاملون مع إيران كـ “دولة” يجب إدارتها لا “ثورة” يجب الدفاع عنها.
هؤلاء القادة الجدد، مثل محمد باقر قاليباف وأحمد وحيدي، هم “قوميون براغماتيون” يفصلون بين الأيديولوجيا وبين فن إدارة الدولة، ويعملون وفق تقييم دقيق لقدرات إيران ونقاط ضعفها.
اقرأ أيضا:
مجتبى خامنئي: أعداء إيران يحاولون ضرب صمود الشعب وشق صفه
الدروس المستفادة من غزة
خلص الاستراتيجيون الإيرانيون بحسب التحليل، إلى أن السماح للاحتلال الإسرائيلي بمواجهة أطراف “محور المقاومة” كل على حدة كان خطأً فادحاً. وبناءً على ذلك، تفعّلت “عقيدة الدفاع متعدد الجبهات” في شباط/ فبراير الماضي، عبر تحريك حزب الله والميليشيات العراقية واليمنية في وقت واحد، مما أجبر الولايات المتحدة على إخلاء قواعد رئيسية مثل “كامب فيكتوري” في بغداد.
هذا التحول العسكري تزامن مع ابتكارات تقنية؛ فبدلاً من المواجهة التقليدية، اعتمدت إيران على “أسراب الطائرات المسيرة” الرخيصة والصواريخ الدقيقة لاستنزاف منظومات الاعتراض الأمريكية والإسرائيلية.
كما أعادت تنظيم قواتها المسلحة لتشبه “قوات حرب العصابات” بدلاً من الجيش التقليدي، مما منحها مرونة فائقة في البقاء والرد.
مضيق هرمز.. “أصل سيادي”
أحد أبرز ملامح الاستراتيجية الجديدة هو تغيير وضعية مضيق هرمز؛ فبعد عقود من اعتباره ممراً مائياً دولياً بضمانة أمريكية، بات المضيق الآن يُفهم كـ “أصل إيراني” خالص.
يرى الكاتبان باجوغلي ونصر أن طهران لم تعد تلهث وراء “رفع العقوبات” الذي تعتبره غير مستدام، بل انتقلت لتطبيق استراتيجية “إدارة هرمز” كرافعة اقتصادية وأداة ردع.
هذا التوجه تعزز بالتحالف التكتيكي العميق مع الصين، التي باتت طهران تراها الشريك الخارجي الأساسي لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، بعيداً عن النظام المالي الغربي الذي فقدت الأمل في الاندماج فيه.
عقد اجتماعي جديد
داخلياً، تشهد إيران تحولاً من “الثيوقراطية” نحو “الدولة القومية اليمينية السلطوية”. اختبار الولاء السياسي لم يعد يرتكز على سؤال “هل أنت إسلامي بما يكفي؟”، بل تحول إلى “هل أنت إيراني بما يكفي؟”.
لقد نجحت الحرب في ردم الهوة العميقة بين الدولة والمجتمع التي ظهرت في احتجاجات كانون الثاني/ يناير الماضي بحسب التحليل.
فمع تساقط القنابل، توحد الإيرانيون حول “العلم” لا “الأيديولوجيا”، وبات الحرس الثوري يُنظر إليه كـ “مدافع عن الوطن” لا كـ “أداة قمع”.
هذا العقد الجديد يقوم على “الكفاءة القومية” والقدرة على حماية البلاد وإعادة بنائها، وليس على الخطب الثورية.
في تقدير باجوغلي ونصر، فإن النظام الإقليمي الجديد لن يُحدد بعد الآن بالهيمنة الأمريكية، بل بتعددية الأقطاب حيث تلعب إيران دوراً مركزياً لا هامشياً.
إيران “الجيل الثالث”.. كيف أعادت الحرب صياغة “العقيدة الكبرى” في طهران؟

التعليقات معطلة.
