الأيدي البشرية الشكل اختبار لوعود الذكاء الاصطناعي

2

كاثرين ثوربيك

رغم الضجة الهائلة ومقاطع الفيديو الترويجية البراقة، لا يزال ازدهار الروبوتات الشبيهة بالبشر يجابه تحديات جمة؛ فمسألة الجدوى العملية، على سبيل المثال، ما زالت قيد الإثبات. وحتى أمر بسيط مثل صعود السلالم، يمكن أن يشكل عدواً خفياً. بل إن البابا ليو نفسه عبّر عن مخاوفه بشأن تهديد هذه الروبوتات المحتمل لسبل عيش الناس.

ومع ذلك، خلال «قمة الروبوتات الشبيهة بالبشر»، المنعقدة في طوكيو، الأسبوع الماضي، سادت حالة من التفاؤل التكنولوجي بمستقبل نتفاعل فيه جميعاً مع آلات، صُنعت على صورتنا. وفي تلك الأثناء، جابت روبوتات ثنائية القدمين قاعة المؤتمر، بينما انشغلت أخرى في تقديم الحلوى على أطباق خزفية، وآلات على هيئة أطفال تلوّح للزوار.

كان ذلك لمحة عن سوق تتوقع مؤسسة «مورغان ستانلي»، أن يصل حجمها نهاية المطاف إلى ضعف صناعة السيارات، ليبلغ خمسة تريليونات دولار بحلول عام 2050، مع أكثر من مليار روبوت بشري قيد الاستخدام.

وفي الوقت الذي أصبح واضحاً أن ازدهار الروبوتات الشبيهة البشر هذا يسير بخطى واثقة، يبقى الاختبار الحقيقي الآن ما إذا كانت هذه الروبوتات قادرة على استخدام الأصابع.

اليوم، أحد أكبر التحديات التكنولوجية في مجال الروبوتات، إعادة خلق المعجزة، التي ألفناها، المتمثلة في اليد البشرية؛ فنحن، من دون تفكير، نعرف مقدار الضغط اللازم لكسر بيضة، أو ربط رباط الحذاء، أو دق مسمار. في هذا الصدد، قال جيمس ويلز، الرئيس التنفيذي لشركة «سانكتشري إيه آي»، في فانكوفر، خلال قمة طوكيو: «تظل البراعة الحركية الدقيقة، العائق الأكبر»، مضيفاً: «اليد البشرية معجزة حقيقية»، فهي أداة عامة تخدم الاقتصاد العالمي بأكمله.

ولهذا السبب كذلك قد تكون النماذج الأولية الأقل إثارة للاهتمام، أهم من تلك التي تنتشر بسرعة على الإنترنت. يُذكر أن أحد الباحثين في شركة «تويوتا»، بدأ عرضه الرئيس بمقاطع لروبوتات تلعب كرة السلة وتُبهر الجمهور، لكنه حث الحاضرين على ألا يربطوا الشركة فقط بهذه العروض.

وقال تاكاهيدي يوشييكي، كبير المهندسين في وحدة الروبوتات لدى شركة «هوندا»، وأحد رواد هذا المجال منذ أيام روبوت «أسيمو»، إن الأيدي والأصابع هي المفتاح لجعل الروبوتات عملية، على صعيد المجتمع. وقد كشفت الشركة عن نموذج أوَّلي ليدٍ روبوتية جديدة، قادرة على أداء مهام دقيقة، مثل إدخال الخيط في الإبرة، وشد البراغيّ الصغيرة. ولعل هذه المهارات، التي قد لا تبدو جذابة للوهلة الأولى، هي ما سيحدد مصير البشرية في نهاية المطاف، أكثر من إتقان الرقص أو فنون القتال.

من جهتها، تدرك الصناعة ذلك جيداً. فقد ركّز ما لا يقل عن نصف عدد الخُطب التي أُلقيت في أثناء القمة، على الجوانب التكنولوجية لتصميم أيدٍ للآلات. وجرى وصف البراعة الحركية بأنها «الميل الأخير في مسار الأتمتة»، حسب جونغهي ريو، مؤسس ومدير شركة «RLWRLD» في سيول. وكان محقاً في أن قطاعات واسعة من الصناعات، قد جرى أتمتتها بالفعل، لكن الجزء الأخير المعقَّد من العمل، لا يزال يعتمد على الأيدي البشرية. وطبقاً لحساباته، فإن حل هذه المشكلة قد يفتح الباب أمام قيمة اقتصادية تصل إلى 4 تريليونات دولار.

تشكل البيانات إحدى العقبات؛ فنماذج اللغة الضخمة، التي تُشكّل أساس التطور الهائل الحالي في مجال الذكاء الاصطناعي، يجري تدريبها على كميات هائلة من النصوص المُستخرجة من الإنترنت. ويُساعد هذا الآلات على التواصل بطرق تُحاكي البشر، إلا أن هذا الأمر لا يعلِّمها كيفية التحرّك بأمان في العالم الحقيقي، الذي يصعب توقعه.

وعليه، تحتاج الروبوتات إلى بيانات مُتخصصة حول الضغط والقوة والاحتكاك وفهم الفيزياء. ولذلك، يُطلب من مزيد من عمال المصانع والخدمات ارتداء أجهزة لجمع البيانات في أثناء العمل؛ بمعنى أنهم يُدرّبون الآلات التي قد تُحلّ محلّهم يوماً ما. وقد أسهم هذا كذلك في ظهور ما تُسمى نماذج العالم، التي تهدف إلى سدّ الثغرات الفيزيائية، التي لا تستطيع نماذج اللغة استيعابها. إلا أننا ما زلنا على بُعد بضع سنوات، على الأقل، من لحظة انطلاق «تشات جي بي تي» للذكاء الاصطناعي الفيزيائي.

ويُمثّل اللمس تحدياً رئيسياً آخر. قال ليوبولد بير، نائب رئيس شركة «رينيساس إلكترونيكس»، التي تعد عملاق أشباه الموصلات الياباني، خلال جلسة عُقدت يوم الجمعة الماضي: «لن يجتاز أيٌّ من حلول اليوم اختبار (تورينغ) اللمسي». يجب أن يكون الروبوت المُصمم للمساعدة، داخل غرف المستشفيات أو دور رعاية المسنين، قادراً على التمييز بين ما يلمسه، سواء كان قضيباً فولاذياً أو بطانية أو إنساناً. وتعتمد فائدته وسلامته على هذه القدرة على التمييز.

وفيما يتعلق باليابان، يُمثل هذا فرصةً سانحة؛ ففي الوقت الذي تسعى الصين بخطىً حثيثة لتصنيع الروبوتات الشبيهة بالبشر، تمنحها شبكة الموردين الواسعة لليابان، وهوسها بالدقة التكنولوجية، مساراً قوياً للعودة إلى المنافسة عبر أصعب مراحل تطوير الروبوت: الأيدي، والمحركات (عضلات الروبوت التي تُحركه، بدلاً من ثباته)، وأجهزة الاستشعار، والمواد. وفي عصر الذكاء الاصطناعي المادي، وعلى ما يبدو فإن العقبة لا تكمن في الذكاء، بل في أجهزة الاستشعار -مجالٌ لطالما برعت فيه اليابان.

كما أن اتقان صناعة الأيدي الروبوتية ودراسة المحاكاة الحيوية، قد يفتح آفاقاً جديدةً لأنواعٍ من الأتمتة أكثر فائدةً، من مجرد آلة تمشي تحمل وجهاً. يُذكر أن شركات ناشئة مثل شركة «بسيونيك» الأميركية (المشاركة كذلك في طوكيو، هذا الأسبوع) تُصنّع أيادي إلكترونية حيوية لكلٍّ من الروبوتات والأشخاص، الذين يحتاجون إلى أطرافٍ اصطناعية، مما يوضح كيف يُمكن لهذا البحث أن يُفيد الطرفين كليهما.

من جهتي، لطالما كنتُ متشككةً، بشكل عام، في مسألة ازدهار الروبوتات الشبيهة بالبشر. مع ذلك، يسهل فهم جاذبيتها: فقد صُممت منازلنا ومصانعنا ومستشفياتنا لتناسب جسم الإنسان، لذا من المغري بناء آلات على صورتنا.

ومع ذلك، فإن شكل الإنسان الثنائي القدمين قد يحمل في طياته فخاً هندسياً مقيداً؛ فميلنا الفطري إلى إضفاء الصفات البشرية على التكنولوجيا قد يحدّ من إمكانات الروبوتات. لا تحتاج الآلات المفيدة إلى وجه (ناهيك بشخصية؛ لا داعي للخوض في هذا الموضوع) كي تتمكن من تنظيف الأرضيات، أو فرز القمامة، أو الاضطلاع بالأعمال الشاقة والقذرة والخطيرة الأخرى، التي نُفضِّل جميعاً تجنُّبها.

إلا أن اليد تُغيّر الحسابات؛ فقد تُتيح مقابض أفضل وأكثر حساسية، مُثبّتة على آلات غير بشرية -مثل الحيوانات الرباعية الأرجل، وأدوات المصانع، وحتى أجهزة الرعاية الصحية- قيمةً اقتصاديةً هائلةً، دون الحاجة إلى أن يسير كل روبوت منتصباً، أو يبتسم في فيديو توضيحي.

في نهاية المطاف، قد لا يُحكَم على حلم الروبوتات الشبيهة بالبشر بمدى إتقانها لتقليدنا، بل بما نجرؤ على السماح لها بلمسه.* بالاتفاق مع «بلومبرغ»

التعليقات معطلة.