لماذا أخفقت المعارضة في أن تصبح بديلاً؟

5

 

 

بعد أكثر من عشرين عاماً على التغيير، ما زال العراقي يسمع عن فشل السلطة أكثر مما يسمع عن بديل لها.

يعرف المواطن حجم الفساد، ويعرف حجم الإخفاق، ويعرف حجم الأزمات التي تراكمت فوق كتفي الدولة. لكنه ما زال يطرح السؤال نفسه:

إذا كانت السلطة قد أخفقت، فأين البديل؟

هنا تبدأ أزمة المعارضة العراقية.

ففي الأنظمة السياسية الحية لا تُقاس قوة المعارضة بارتفاع صوتها، بل بقدرتها على تقديم مشروع سياسي يُقنع المجتمع بأنه أكثر قدرة على إدارة الدولة. أما الاكتفاء بالاعتراض والغضب وكشف الأخطاء، فلا يكفي لصناعة بديل.

ورغم حجم الإخفاقات التي راكمتها الحكومات المتعاقبة منذ عام ٢٠٠٣، فإن المعارضة العراقية لم تنجح حتى الآن في التحول إلى مشروع وطني جامع قادر على استثمار هذا الفشل وتحويله إلى فرصة سياسية حقيقية.

لقد أتقنت المعارضة فن الاعتراض، لكنها لم تتقن بعد فن البناء الفكري لمشروع وطني جامع يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية والهويات الفرعية، ويحظى بقاعدة وطنية عريضة وقبول إقليمي ودولي. نعم، تنتقد السلطة باستمرار وتكشف مواطن الخلل والفساد، لكنها غالباً ما تتوقف عند حدود التشخيص، وكأن إسقاط الخصم هو الهدف النهائي لا بداية الطريق نحو بناء البديل.

ولا يعني ذلك أن المعارضة تعمل في ظروف طبيعية، فهي تواجه منظومة تمتلك السلطة والمال والنفوذ والإعلام وأدوات التأثير. لكن هذه الحقيقة لا تعفيها من مسؤولية بناء رؤية واضحة للمستقبل.

المشكلة الأعمق أن جزءاً كبيراً من الخطاب المعارض ما زال أسير ردود الأفعال؛ فهو يتحرك وفق ما تفعله السلطة، لا وفق تصور مستقل لما يجب أن يكون عليه العراق.

والمواطن العراقي اليوم لا يبحث فقط عمن ينتقد الفشل، بل عمن يمتلك إجابات واضحة عن أسئلة الدولة الكبرى:

كيف ستُدار الدولة؟

كيف سيُعاد بناء الاقتصاد؟

كيف ستُستعاد هيبة المؤسسات؟

كيف ستُحسم أزمة السلاح؟

وكيف يمكن الانتقال من دولة المحاصصة إلى دولة المواطنة؟

هذه الأسئلة هي التي تصنع المعارضة الحقيقية، لا عدد المؤتمرات الصحفية ولا حجم التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي.

إن أخطر ما تواجهه المعارضة العراقية ليس ضعف الإمكانات وحده، بل غياب الرؤية الجامعة. فالشعوب قد تلتف حول مشروع واضح حتى لو كان أصحابه قلة، لكنها نادراً ما تمنح ثقتها لقوى كثيرة العدد لا يجمعها سوى رفض القائم.

علما ان المشكلة لا تتعلق بالمعارضة وحدها، كما أنها لا تتعلق بالسلطة وحدها. فالأزمة العراقية خلال العقدين الماضيين كشفت عن فراغ أكبر من مجرد صراع بين حاكم ومعارض. لقد كشفت عن غياب المشروع الوطني القادر على إعادة تعريف الدولة وأولوياتها وعلاقتها بالمجتمع.

وحين يغيب المشروع، يتحول الحكم إلى إدارة أزمات، وتتحول المعارضة إلى إدارة غضب.

فالمعارضة لا تصبح بديلاً لأنها تعارض، بل لأنها تقدم مشروعاً وطنياً أكثر إقناعاً من المشروع القائم، والسلطة لا تنجح لأنها تحكم، بل لأنها تمتلك رؤية للدولة تتجاوز إدارة الأزمات.

لقد اعتاد العراقيون على صراع دائم بين سلطة تتعثر ومعارضة تحتج، لكن الأوطان لا تُبنى بصراع لا ينتج بديلاً.

ولهذا فإن السؤال الذي يواجه المعارضة العراقية اليوم ليس: كيف نُسقط السلطة؟

بل: كيف نُقنع العراقيين بأننا قادرون على بناء دولة أفضل؟

فالعراق لا يعاني من أزمة أصوات، بل من أزمة بوصلة.

ولا يعاني من نقص المشاريع بقدر ما يعاني من غياب الرؤية الوطنية الجامعة القادرة على أن تجعل العراقيين يختلفون داخل الدولة وعلى كيفية بناء وتعضيد مؤسساتها، وليس الصراع من أجل الاستحواذ عليها.

التعليقات معطلة.