المشروع الوطني العراقي

4

 

 الورقة الأولى

 تشرين… لحظة وعي سبقت النخب السياسية

 

“العراق يحتاج دولة… لا سلطة” 

العراق لم يعد ينقصه الغضب… بل ينقصه العقل الذي يحوّل الغضب إلى دولة.

في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا يكفي الغضب لإنقاذ الأوطان، ولا تصنع الشعارات مستقبلاً مهما بدت صاخبة وعاطفية.

فالعراق، عبر عقود طويلة، لم يدفع ثمن الحروب والصراعات وحدها، بل دفع أيضاً ثمن هيمنة الأدلجة على العقل، وتغليب الانفعال على التخطيط، والولاءات الضيقة على مفهوم الدولة الحديثة.

ولهذا فإن أزمة العراق اليوم ليست أزمة حكومة أو انتخابات أو احتجاج عابر، بل أزمة في تعريف الدولة نفسها:

ما الدولة التي يريدها العراقيون؟

وما النموذج السياسي والاقتصادي القادر على إنتاج الاستقرار والعدالة والتنمية والسيادة؟

لقد أُدير العراق طويلاً بعقلية التعبئة لا بعقلية الدولة، وبمنطق الغلبة لا بمنطق المؤسسات، حتى تراجع دور الجامعات والخبرات ومراكز التفكير، وحلّ الخطاب محل الإنجاز، والشعار محل المشروع، والولاء محل الكفاءة.

ومن هنا، فإن الحاجة لم تعد إلى خطاب احتجاجي جديد، بل إلى مشروع وطني حديث يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة والعدالة وسيادة القانون والتنمية المستدامة.

تشرين… ماذا كشفت؟

لم يكن تعثر احتجاجات تشرين حدثاً طارئاً أو نتيجة نقص في الشجاعة والإرادة الشعبية، بل كان انعكاساً لأزمة أعمق بكثير داخل البنية السياسية العراقية نفسها.

تشرين لم تصنع الأزمة… بل كشفتها.

لم تُسقط الدولة… بل كشفت حجم الفراغ الذي كانت الدولة تخفيه.

لقد أظهرت تلك اللحظة التاريخية حجم الفجوة بين وعي المجتمع وبنية السياسة، وبين تطلعات الناس ومنظومة عاجزة عن إنتاج مشروع وطني جامع.

أولاً: غياب الرؤية الوطنية

منذ عام ٢٠٠٣ تشكل النظام السياسي على قاعدة توزيع السلطة أكثر مما تشكل على قاعدة بناء الدولة.

ولم تتبلور رؤية وطنية واضحة تجيب عن الأسئلة الجوهرية:

ما طبيعة الدولة المنشودة؟

ما النموذج الاقتصادي القادر على تحقيق العدالة والتنمية؟

كيف تُدار العلاقة بين الهوية الوطنية والتنوع الاجتماعي؟

وكيف تُصاغ سياسة خارجية تحفظ المصالح الوطنية بعيداً عن الارتهان والاستقطاب؟

وبغياب هذا الإطار الجامع، تحركت الاحتجاجات، رغم مشروعية مطالبها وارتفاع سقف وعيها الوطني، بوصفها موجات غضب أخلاقية متفرقة تمتلك شرعية شعبية عالية، لكنها تفتقر إلى مشروع سياسي قادر على تحويل الزخم إلى تغيير مستدام.

ثانياً: تفكك الحقل السياسي

لم تكن المشكلة في التعدد السياسي بحد ذاته، بل في غياب الأرضية الوطنية المشتركة التي تنظمه.

تحول المجال العام إلى ساحة سرديات متصارعة ومشاريع جزئية متنافرة، دون إطار وطني جامع يحدد الأولويات ويضبط التنافس السياسي ضمن مفهوم الدولة.

ثالثاً: أزمة القيادة

غياب القيادة لم يكن مجرد خلل تنظيمي، بل نتيجة طبيعية لبنية سياسية مأزومة.

نخب مشتتة بلا مشروع جامع.

فقدان عميق للثقة بالتمثيل السياسي.

ورفض مبرر للهرمية السياسية التقليدية دون وجود بديل مؤسسي قادر على ملء الفراغ.

في تشرين ظهرت طاقة شعبية هائلة، لكن بلا إطار قادر على تحويلها إلى مشروع سياسي واقعي ومستدام.

رابعاً: الوعي الذي سبق السياسة

لم يكن مطلب الدولة أو المواطنة أو مكافحة الفساد جديداً من حيث الشعارات، لكن الجديد في تشرين كان انتقال هذه المطالب من دوائر النخب والكتابات السياسية إلى وعي شعبي واسع.

للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، أصبحت الدولة نفسها موضوعاً للنقاش العام، لا مجرد الحكومة أو السلطة.

وهنا ظهرت المفارقة الأهم:

فبينما ظل جزء من النخب السياسية أسيراً للانقسامات التقليدية والصراعات الضيقة، كان قطاع واسع من الشباب يبحث عن مفهوم جديد للمواطنة والدولة والهوية الوطنية.

لقد سبق وعي المجتمع قدرة السياسة على الاستجابة له.

خامساً: الأخلاقي والسياسي

امتلك الحراك الوطني شرعية أخلاقية عالية، وهذا مكسب تاريخي لا يمكن إنكاره.

لكن السياسة لا تُدار بالنقاء الأخلاقي وحده، بل ببناء التنظيم، وإدارة المصالح، وصناعة موازين القوة القادرة على حماية المشروع وتحويله إلى واقع.

سادساً: الالتباس تجاه الدولة

بقي السؤال المركزي معلقاً:

هل المطلوب إصلاح الدولة القائمة؟

أم إسقاطها؟

أم إعادة تأسيسها بالكامل؟

هذا الالتباس أربك الخطاب وأضعف القدرة على توحيد المجتمع حول هدف واضح ومحدد.

سابعاً: البعد الدولي

في عالم تتداخل فيه العوامل الداخلية والخارجية، لم يتمكن الحراك من إنتاج خطاب سياسي مفهوم دولياً يطمئن الفاعلين الخارجيين إلى أن التغيير المنشود لن يقود إلى فراغ أو انهيار شامل.

إنصاف تشرين… الحقيقة كاملة

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي قول الحقيقة بوضوح:

تشرين لم تكن لحظة نقص في الوعي… بل لحظة فائض فيه.

لقد عبّر الشارع العراقي عن إدراك وطني متقدم سبق جزءاً كبيراً من النخب السياسية والفكرية.

طالب بدولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون، ورفض اختطاف الوطن وتحويله إلى ساحة نفوذ وصراع دائم.

لكن هذا الوعي المتقدم لم يمتلك الأدوات التنظيمية والمؤسساتية الكافية لتحويل نفسه إلى مشروع سياسي مستقر.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى:

لقد سبق فيها الشعب السياسة… بينما عجزت السياسة عن الارتقاء إلى مستوى وعي المجتمع.

الخلاصة… العبرة للمستقبل

تشرين لم تكن أصل الأزمة، بل لحظة انكشافها الكبرى.

والدرس الجوهري ليس تمجيد الحراك أو إدانته، بل فهم حدوده البنيوية واستخلاص العبرة منها:

لا تغيير مستدام بلا رؤية واضحة.

ولا مشروع وطني بلا تنظيم ومؤسسات.

ولا دولة حديثة تُبنى بالشعارات والانفعالات وحدها.

العراق لا يحتاج ثورة جديدة بقدر ما يحتاج مشروع دولة جديداً.

فالأزمات قد تُسقط الأنظمة أحياناً، لكن المشاريع وحدها تبني الأوطان.

وتلك هي الورقة الأولى من المشروع الوطني العراقي؛ نضعها أمام العراقيين بوصفها رؤية مفتوحة للنقاش والتطوير، إيماناً بأن إنقاذ العراق لا يمكن أن يكون مشروع فرد أو جماعة، بل مشروع عقل وطني جمعي يعيد بناء الدولة على أسس المواطنة والسيادة والعدالة والعلم .

غداً:

الورقة الثانية

“أزمة القيادة في العراق… كيف تُنتج البنية السياسية قياداتها وتُقيد الدولة؟”

التعليقات معطلة.