المشروع الوطني العراقي

5

 

العراق يحتاج دولة… لا سلطة

الورقة الثالثة

غياب الرؤية الوطنية الجامعة وتحول المطالب إلى مسارات متفرقة

مقدمة
لم تكن أزمة العراق خلال العقدين الماضيين أزمة مطالب أو احتجاجات بقدر ما كانت أزمة رؤية وطنية ومشروع جامع قادر على تنظيم هذه المطالب وتحويلها إلى مسار تاريخي لبناء الدولة.
فالعراق لم يخلُ من الحراك الشعبي، ولم يفتقر إلى الوعي المجتمعي، كما لم تغب عنه الدعوات إلى الإصلاح والتغيير. لكن ما غاب فعلياً هو الإطار الفكري والسياسي الذي يحدد شكل الدولة المنشودة، ومسار التحول الوطني، وآليات الانتقال من حالة الانقسام والأزمة إلى حالة الاستقرار المؤسسي.
لقد كشف الواقع العراقي أن وجود المطالب وحده لا يكفي، كما أن اتساع الاحتجاجات لا يضمن بالضرورة نجاح التغيير. فبين المطالبة بالتغيير وتحقيقه تقف الحاجة إلى رؤية واضحة ومشروع وطني قادر على تحويل الإرادة المجتمعية إلى قوة سياسية منظمة.
وبسبب هذا الفراغ تحركت المطالب الوطنية في مسارات متفرقة؛ أحياناً تتوافق، وأحياناً تتنافس، لكنها في الغالب لم تنجح في أن تتحول إلى مشروع سياسي متكامل قادر على إعادة بناء الدولة.
أولاً: الرؤية الوطنية والمشروع الوطني… ما الفرق؟
كثيراً ما يجري الخلط بين الرؤية الوطنية والمشروع الوطني، رغم أن لكل منهما وظيفة مختلفة.
فالرؤية الوطنية تجيب عن سؤال: إلى أين نريد أن نصل؟
أما المشروع الوطني فيجيب عن سؤال: كيف نصل؟
الرؤية تحدد الاتجاه والغاية، بينما المشروع الوطني يحدد الطريق.
ولهذا فإن الدول لا تنهض بالشعارات وحدها، كما لا تنهض بالبرامج المنفصلة عن رؤية واضحة. فالاستقرار والتنمية وإعادة بناء الدولة تحتاج إلى رؤية تحدد الهدف، ومشروع يترجم ذلك الهدف إلى مؤسسات وسياسات وقوى سياسية قادرة على التنفيذ.
ثانياً: الرؤية الوطنية الجامعة… أكثر من مجرد شعار
الرؤية الوطنية ليست خطاباً سياسياً أو شعاراً تعبوياً، بل إطار استراتيجي شامل يحدد الاتجاه العام للدولة والمجتمع.
وهي تؤدي ثلاث وظائف أساسية:
التوجيه
تحديد الهدف التاريخي للدولة وما الذي يسعى المجتمع إلى تحقيقه على المدى البعيد.
التنظيم
ترتيب الأولويات الوطنية ووضع مسارات واضحة للإصلاح والتحول.
الدمج في
إيجاد أرضية مشتركة لإدارة التنوع المجتمعي ضمن إطار وطني جامع يتجاوز الانقسامات الضيقة.
ولذلك فإن أي رؤية وطنية حقيقية يجب أن تتضمن عناصر واضحة، منها:
تعريف طبيعة الدولة وحدود سلطتها.
تحديد شكل النظام السياسي وآليات تداول السلطة.
وضع تصور اقتصادي يعالج اختلالات البنية الريعية.
رسم مسار مؤسسي للانتقال من الأزمة إلى الاستقرار.
صياغة عقد وطني يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
غياب هذه العناصر يحول الفعل السياسي إلى ردود أفعال متفرقة بدل أن يكون مساراً استراتيجياً منظماً.
ثالثاً: ثورة تشرين… وعي وطني سبق النخب
كشفت ثورة تشرين عن مستوى متقدم من الوعي الوطني في المجتمع العراقي، ربما سبق في كثير من الأحيان قدرة النخب السياسية على استيعابه أو التعبير عنه.
فالمطالب التي رفعتها الاحتجاجات لم تكن مجرد مطالب خدمية أو اقتصادية، بل حملت مضموناً وطنياً عميقاً تمثل في الدعوة إلى:
استعادة الدولة المختطفة.
إنهاء الفساد السياسي.
بناء نظام يقوم على المواطنة لا للمحاصصة.
إعادة الاعتبار لفكرة الوطن بوصفه الإطار الجامع لجميع العراقيين.
لقد كانت تشرين، في جوهرها، صرخة وطنية ضد اختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع.
لكن هذه اللحظة التاريخية كشفت في الوقت نفسه مشكلة بنيوية أخرى.
فالوعي الشعبي كان متقدماً، بينما الأطر السياسية القادرة على تحويل هذا الوعي إلى مشروع مؤسسي كانت غائبة أو ضعيفة ومتخلفة ومنها مرتبطة بالخارج .
كما أنتجت التجربة العراقية مفارقة معقدة؛ فالمجتمع أصبح أكثر استعداداً للاحتجاج من استعداده للانخراط في العمل السياسي المنظم. وبعد عقود من الاستبداد والصراعات والفوضى، ترسخت لدى قطاعات واسعة حالة من الشك تجاه العمل الحزبي والسياسي، الأمر الذي جعل الانتقال من الشارع إلى المؤسسة أكثر صعوبة.
وبسبب غياب التنظيم السياسي المستقر، ورفض الحراك للهرمية التقليدية، إضافة إلى الضغوط الأمنية والسياسية الكبيرة، لم يتمكن هذا الزخم الشعبي من التحول إلى بديل سياسي قادر على إدارة الدولة.
وهذا لا يمثل فشلاً أخلاقياً للحراك، بقدر ما يعكس صعوبة التحول من الاحتجاج إلى البناء السياسي في بيئة نظامية معقدة.
رابعاً: تشتت المطالب وتحولها إلى مسارات متفرقة
في غياب الرؤية الوطنية الجامعة، تحولت المطالب الشعبية إلى مسارات متعددة غالباً غير مترابطة.
ظهر ذلك في عدة مظاهر:
تغليب المطالب الجزئية على مشروع الدولة
انشغل الخطاب السياسي بقضايا قطاعية أو فئوية، بينما تراجع الحديث عن إعادة بناء الدولة كوحدة سياسية متماسكة.
تضخم الشعارات مقابل ضعف البرامج
ارتفعت اللغة التعبوية في الخطاب العام، لكن دون ترجمتها إلى خطط سياسية وتنفيذية واضحة.
تعدد التصورات حول شكل الدولة
تباينت الرؤى بين الدولة المركزية والدولة اللامركزية والنماذج المختلطة، دون وجود إطار وطني قادر على تنظيم هذا الاختلاف.
انقسام القوى الوطنية
غياب المرجعية الوطنية الجامعة حال دون تشكيل تحالف إصلاحي واسع قادر على قيادة عملية التحول.
خامساً: من المستفيد من غياب الرؤية؟
لا يمثل غياب الرؤية الوطنية مشكلة للقوى المستفيدة من الوضع القائم، بل قد يكون أحد شروط بقائها.
فكلما بقيت المطالب موزعة بين ملفات متعددة، وتوزعت القوى الإصلاحية على مسارات متفرقة، تراجعت احتمالات تشكل مشروع وطني قادر على منافسة المنظومة القائمة.
ولهذا فإن أخطر نتائج غياب الرؤية لا تكمن فقط في إضعاف قوى التغيير، بل في تمكين النظام السياسي من إعادة إنتاج نفسه بصورة مستمرة.
ومع مرور الوقت يصبح النظام أكثر قدرة على امتصاص الأزمات بدلاً من حلها، وأكثر قدرة على إدارة السخط الشعبي بدلاً من معالجة أسبابه.
سادساً: الآثار البنيوية لغياب الرؤية
ترك غياب الرؤية الوطنية آثاراً عميقة في بنية النظام السياسي والمجتمع، من أبرزها:
استنزاف الطاقة الاحتجاجية للمجتمع في دورات متكررة من الاحتجاج دون نتائج بنيوية.
عجز الحراك المجتمعي عن التحول إلى فاعل سياسي مؤسسي.
إعادة إنتاج منظومة الأزمة نتيجة غياب البديل المنظم.
اتساع فجوة الثقة بين المجتمع والنخب السياسية.
بقاء الدولة في حالة انتقال دائم دون الوصول إلى استقرار مستدام.
سابعاً: الرؤية الوطنية كشرط للاستقرار
تشير تجارب التحول السياسي في العالم إلى أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر الإجراءات الأمنية أو التسويات المؤقتة فقط، بل عبر وجود رؤية وطنية جامعة تحدد اتجاه الدولة.
وجود هذه الرؤية يحقق وظائف حيوية عديدة:
توحيد الهدف الوطني العام.
تنظيم مسار الإصلاح ضمن أطر زمنية واضحة.
توفير أرضية مشتركة لاصطفاف القوى السياسية والاجتماعية.
خلق أساس مؤسسي لإعادة بناء الدولة.
إدارة الخلافات داخل إطار وطني منظم بدلاً من تحولها إلى صراعات مفتوحة.
بدون هذه الرؤية سيبقى النظام السياسي أسير أزمات متكررة يعيد إنتاجها باستمرار.
خاتمة
من الاحتجاج إلى مشروع الدولة
ما كشفته التجربة العراقية خلال العقدين الماضيين هو أن الإرادة المجتمعية للتغيير موجودة، وأن الوعي الوطني لم يختفِ من المجتمع العراقي.
لكن هذه الإرادة بقيت في كثير من الأحيان طاقة احتجاجية غير منظمة بسبب غياب المشروع الوطني القادر على توجيهها وتحويلها إلى قوة سياسية ومؤسسية فاعلة.
لقد أثبتت التجربة العراقية أن المشكلة لم تكن في غياب المطالب، ولا في ضعف الرغبة بالتغيير، بل في غياب الرؤية والمشروع القادرين على تحويل هذه المطالب إلى دولة.
فالمطالب، مهما كانت عادلة وقوية، لا تستطيع وحدها بناء دولة.
والاحتجاج، مهما اتسع، لا يتحول إلى تحول تاريخي دون رؤية واضحة ومشروع منظم.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام العراق اليوم لا يتمثل فقط في إصلاح النظام السياسي القائم، بل في بلورة رؤية وطنية جامعة ومشروع وطني قادر على إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ووضع أسس عقد وطني جديد يقوم على المواطنة والمؤسسات وسيادة القانون.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن العراق لا يعاني من نقص المحتجين، ولا من نقص المنتقدين، بل من نقص الرؤية والمشروع الوطني الجامع القادر على تحويل الطاقة المجتمعية إلى قوة تاريخية تعيد بناء الدولة.
بدون هذه الرؤية سيبقى التغيير مجرد موجات احتجاج متكررة.
أما بوجودها فيمكن أن يتحول الحراك المجتمعي إلى مشروع تاريخي لإعادة تأسيس الدولة العراقية.

غداً:
“سوء قراءة التوازنات الدولية والإقليمية وتأثيرها على المشروع الوطني”.

التعليقات معطلة.