عن قرب
شفق نيوز- بغداد
كعادته، يقف الطفل محمود، البالغ من العمر تسعة أعوام، يومياً في أحد تقاطعات العاصمة بغداد،حاملاً في إحدى يديه قنينة مياه معدنية يلوّح بها أمام السيارات، فيما يضع على الرصيف عدداً آخر من القناني المخصصة للبيع.
لكن هذه الصورة فرضت العديد من التساؤلات أبرزها ما الذي يدفع طفلاً في هذا العمر إلى ممارسة عمل لا يتناسب مع سنّه؟ وما الذي يجعله يحمل المياه ويبيعها في مختلف الظروف المناخية القاسية، سواء في الحر الشديد أو البرد القارس والأمطار؟.
في حين، يجيب محمود عن هذا السؤال قائلاً لشفق نيوز: “فقد والدي أحد أطرافه في حادث إرهابي، ثم أصيب بمرض خطير توفي على أثره، ومنذ وفاته وحتى الآن، أعمل في بيع المياه بالشوارع من أجل توفير لقمة العيش لي ولوالدتي وأختي الصغيرة، فضلاً عن تأمين مصاريف دراستي”.
ويؤكد محمود، وهو تلميذ في الصف الثالث الابتدائي، أن “بيع المياه يناسب ظروفه لأنه يختار الأوقات التي لا تتعارض مع دوامه المدرسي، مضيفاً أن الأرباح التي يجنيها تعود إليه بالكامل لأنه يعمل بمفرده”.
ويسعى محمود، جاهداً للتوفيق بين الدراسة والعمل، متحملاً المشاق والسلوكيات المختلفة التي يواجهها من بعض ضعاف النفوس، فيما يغدق عليه آخرون المال دون أن يأخذوا منه الماء، بينما ولا يسلم محمود في مدرسته من التنمر والنظرة الدونية التي يبديها بعض التلاميذ تجاهه.
ويقول: “بعض أصحاب السيارات والمارة يتعاطفون معي ويمنحونني المال، فيما تصدر من آخرين عبارات غير لائقة”، مؤكداً أن “الأمر ذاته يواجهه داخل المدرسة، حيث يحتقره بعض التلاميذ بسبب عمله ولا يسمحون له بالجلوس أو الدراسة معهم”.
ويضيف أن ذلك يؤلمه كثيراً، وقد اشتكى مراراً لإدارة المدرسة من الكلمات الجارحة التي يتعرض لها من بعض زملائه.
أعمال منتشرة
وأصبحت مهنة بيع المياه المعدنية من الأعمال المنتشرة بين الأطفال في العاصمة بغداد، إذ يمارسها البعض بسبب الحاجة المادية، فيما يدفع سهولة الحصول على المال أطفالاً آخرين إلى العمل في هذا المجال، مستفيدين من تعاطف المواطنين مع صغر سنهم.
وفي هذا الصدد، تقول الطفلة سناء، البالغة من العمر 10 سنوات: “والدتي مطلقة وتتقاضى نفقة مالية من والدي، لكنها تشجعني على بيع المياه في الشوارع من أجل الحصول على المزيد من المال”.
ولم تُسجَّل سناء في المدرسة، لذلك لا تعرف القراءة أو الكتابة، وكل ما تعرفه هو التجول في الشوارع لبيع المياه وتناول السندويشات من أحد المطاعم القريبة عندما تشعر بالجوع.
وتذرع الطفلة الشوارع ذهاباً وإياباً بملابس رثة، وهي تمد قنينة الماء لكل من يمر بها من المشاة أو أصحاب السيارات.
وفي حديث لوكالة شفق نيوز، وتتابع حديثها بالقول إنها تحقق أرباحاً تتراوح بين 10 و15 ألف دينار يومياً، مبينة أن والدتها تلزمها بتسليمها 10 آلاف دينار كل يوم، ولا تقبل بأقل من ذلك.
معاناة مستمرة
وعلى شاكلة سناء، يوجد العديد من الأطفال الذين يجبرهم ذووهم على ممارسة أعمال مختلفة من أجل جلب المال، فيما يفضل آخرون العمل خلال العطل الرسمية للحصول على مصروف شخصي.
ويرى الطفل علي محسن 11 عاماً: “لم يجبرني أحد على بيع المياه في الشارع، بل على العكس،كان والدي يوبخني دائماً بسبب ذلك”، لافتاً إلى أنه يرغب في العمل من أجل الاعتماد على نفسه وشراء ما يريد.
ويوضح: “العمل في بيع المياه سهل نسبياً وغير مرهق، كما أن عوائده المالية جيدة وتلبي احتياجاتي”.
وأبدى مواطنون آراء مختلفة بشأن ظاهرة بيع الأطفال المياه في الشوارع والتقاطعات، إذ يرى البعض أنها تحمل جوانب إيجابية، بينما يعتقد آخرون أنها لا تتناسب مع أعمارهم.
ويتحدث المواطن عباس الخفاجي، 30 عاماً، لوكالة شفق نيوز: “يجب التفريق بين الأطفال الذين يعملون لمساعدة عائلاتهم الفقيرة ويوفرون لقمة العيش لأنفسهم وأسرهم، وبين حالات أخرى تختلف ظروفها”.
ويشير إلى أن الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد خلال فترات مختلفة أفرزت أوضاعاً اجتماعية معقدة، فهناك أعداد كبيرة من الأيتام والأرامل والمطلقات، فضلاً عن شرائح واسعة تعاني من الفقر المدقع.
كما يتابع: “بعض العائلات تدفع أبناءها الصغار إلى العمل في بيع المياه وغيرها من المهن بسبب الفقر، لذلك أرى ضرورة دعم هؤلاء الأطفال وشراء المياه منهم حتى وإن لم نكن بحاجة إليها”.
ووفقاً للخفاجي، فإن هناك أطفالاً تركوا الدراسة واتجهوا إلى بيع المياه طمعاً في المال دون حاجة حقيقية، وهؤلاء يجب أن يحظوا بمتابعة من ذويهم والجهات المعنية لإعادتهم إلى مقاعد الدراسة وضمان مستقبلهم.
ظاهرة خطيرة
من جانبها، تؤكد الباحثة الاجتماعية مناهل صالح لوكالة شفق نيوز، أن عمل الأطفال في سن مبكرة، مهما كان نوع العمل، يمثل ظاهرة خطيرة ومتفاقمة، خاصة مع انتشارها الواسع في مختلف المحافظات العراقية.
وتضيف أن لهذه الظاهرة أسباباً متعددة، أبرزها الفقر، والخلافات الأسرية، وترك الدراسة، فضلاً عن التحديات الاقتصادية واتساع رقعة الفقر وتزايد أعداد الأيتام والأسر التي تعيلها نساء، إلى جانب البطالة التي تدفع الكثير من أرباب الأسر إلى العجز عن توفير متطلبات الحياة.
وتلفت إلى أن بيع المياه يعد من أسهل الأعمال وأكثرها انتشاراً بين الأطفال، داعية الحكومة والجهات المعنية إلى اتخاذ إجراءات فاعلة وحلول مناسبة لحماية الأطفال من الظروف المعيشية القاسية وضمان حقهم في التعليم.
وكانت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية قد نفذت في وقت سابق ما وصفته بخطة استراتيجية شاملة للحد من عمالة الأطفال، تضمنت حملات تفتيش ميدانية في الأسواق، وفرض عقوبات قانونية على أرباب العمل المخالفين، فضلاً عن التنسيق الأمني لمنع استغلال الأطفال في التسول أو بيع المياه، وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية لدعم الأسر الفقيرة.
بيع قناني المياه في بغداد.. أطفال يطاردون لقمة العيش تحت لهيب الصيف (صور)

التعليقات معطلة.
