هناك معارك يختارها المسؤول، وهناك معارك تختاره. وما بدأه الزيدي في ملف الفساد لم يعد مجرد حملة حكومية، بل تحول إلى معركة مفتوحة لا يستطيع أحد أن يتنبأ بنهايتها، وربما لا يكون هو نفسه بمنأى عن نتائجها.
لقد تجاوزت القضية حدود أوامر القبض والتحقيقات، وأصبحت معركة على شكل الدولة ومستقبل النظام السياسي. فالشارع العراقي، الذي عاش أكثر من عقدين من الوعود الكاذبة واللجان العقيمة والملفات التي كانت تُفتح لتُغلق في اللحظة المناسبة، لم يعد مستعدا لتصديق أي حملة لا تصل إلى صناع الفساد الحقيقيين.
الزيدي اليوم أمام معادلة شديدة القسوة. فإن مضى إلى النهاية، سيدخل في مواجهة مباشرة مع مراكز نفوذ سياسية ومالية وأمنية راكمت قوتها منذ عام ٢٠٠٣، ولن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى منظومة الحماية التي بنتها تتهاوى. وإن توقف أو تباطأ أو مارس الانتقائية، فسوف يفقد أهم ما كسبه، وهو ثقة الرأي العام.
ولهذا فإن أخطر ما في هذه المعركة أنها لم تعد ملكا للزيدي، بل أصبحت ملكا للشعب. فالعراقيون لم يعودوا ينتظرون اعتقال موظف أو مدير عام، بل ينتظرون سقوط الحصانات السياسية التي جعلت الفساد أسلوب حكم لا مجرد انحراف إداري.
لكن ثمة احتمالًا آخر لا يقل أهمية، وهو أن يكون الزيدي نفسه أداة في مشروع أكبر لإعادة ترتيب البيت السياسي، ثم يجد نفسه لاحقا خارج المشهد عندما تنتهي مهمته. فالتاريخ السياسي العراقي مليء بالشخصيات التي ظنت أنها تقود الأحداث، لتكتشف لاحقا أنها كانت تتحرك داخل حدود رسمها آخرون.
فإذا كانت هناك إرادة حقيقية لإعادة بناء الدولة، فإن الحملة ستستمر مهما كانت الأسماء ومهما ارتفعت مواقعها. أما إذا كانت مجرد عملية لإعادة توزيع النفوذ وتصفية الحسابات، فإنها ستتوقف عند الخطوط الحمراء، وسيدفع الزيدي ثمن ذلك قبل غيره، لأنه سيكون أول من يتحمل مسؤولية خيبة الأمل.
إن أخطر ما فعله الزيدي أنه رفع سقف توقعات العراقيين. ومن يرفع هذا السقف لا يستطيع أن ينزل منه سالما. فالنجاح سيصنع منه رجل المرحلة، أما الفشل فسيضعه في خانة كل الذين وعدوا العراقيين بالإصلاح ثم عادوا ليصبحوا جزءًا من المشكلة.
لقد دخلت المعركة نقطة اللاعودة. ولم يعد السؤال: هل تستمر حملة الفساد؟ بل: من الذي سيصمد حتى النهاية، الزيدي أم منظومة الفساد؟
وربما يكون السؤال الأهم من ذلك كله: هل يمتلك الزيدي قرار الاستمرار أصلًا، أم أن القرار بيد قوى أكبر منه ستحدد أين تتوقف المعركة، ومن يكون المنتصر… ومن يكون الضحية الأخيرة؟ نؤجل التصفيق حتى نتيقن.

