“صولة الفجر”… قراءة ثانية

1



آراء

عبد اللطيف السعدون

أنصار للصدر في مسيرة داعمة لمكافحة الفساد في النجف وسط جنوبي العراق (3/7/2026 فرانس برس)

لا تزال “صولة الفجر” في العراق تلقي بأحمالها بعد مرور أسبوع على الشروع بها، وقد قوبلت بمساندة من مختلف القطاعات والأوساط الشعبية التي طالبت بمزيد من الخطوات التي تحوّل تلك “الصولة” إلى مسار ثابت يصل الى “الحيتان” الكبار الذين يشكلون رأس الحربة في مسلسل الفساد الذي عانى منه العراقيون 23 عاماً. ورغم أن هؤلاء “الحيتان” الذين يهيمن معظمهم على قيادة “الإطار التنسيقي” قد أعلنوا، على مضض، عن دعمهم الحملة، إلا أن هذا الدعم بدا ملغوماً باشتراطاتٍ طرحت أمام رئيس الحكومة علي الزيدي في اجتماع “الإطار” أخيراً، وكان رد الزيدي أن الأمر بيد القضاء، وأن “لا حصانة لفاسد”، وهكذا أصبح الهدف بالنسبة إليهم، والقبضة تقترب منهم، الخروج بأقل قدر من الخسائر. مع هذا، ظلّ الزيدي الذي كان يعرف مقدّما عدم رضا تلك القيادات عن حملته، يراهن على أن الظروف القائمة محلياً وخارجياً ستفرض على تلك القيادات شكلاً من الدعم، حتى وإن كان مقيداً، وهذا ما حصل عليه في نهاية المطاف.

بدا الزيدي، من ناحية أخرى، مسروراً بالدعم اللامحدود الذي قدّمه له مقتدى الصدر، وهو العارف جيدا المكانة التي يحتلها الأخير في الشارع الشيعي، وأن إشارة من الصدر كافية لأن تدفع الآلاف إلى الشوارع استجابة له. أضف إلى هذا موقف الولايات المتحدة، والرئيس دونالد ترامب بالذات الذي بات يشكل مظلة استثنائية للزيدي نفسه لم يحصل عليها أي رئيس حكومة عراقية منذ الاحتلال الأميركي، وأيضاً التأييد الذي حظي به الزيدي من الحكومات العربية التي تسعى إلى استعادة العراق من براثن دولة “ولاية الفقيه” التي هيمنت على مقدّراته سنين طوالا.

طلبت طهران استثناء بعض قيادات موالية مدرجة على لوائح الاعتقال في إطار الحملة ضد الفساد

في مواجهة هذا المشهد الذي يعكس تقاطعات عدة ثمة تداعيات يراد منها مناكفة الزيدي وإرباك خططه، أو على الأقل مساومته، وربما إجباره على التراجع، والنجاة بجلده لدرجة أن هناك من حذر من محاولة قد تجري لاغتياله والتخلص منه، ويشير هؤلاء إلى واقعة ملتبسة حدثت في الأسبوع الماضي حيث جرى إسقاط طائرة مسيرة كانت تحوم فوق “القصر الحكومي” عندما كان الزيدي فيه، وقيل إن الواقعة قيدت ضد جهة مجهولة لسبب أو لآخر، وهي تذكّر بأخرى مشابهة حدثت على عهد رئاسة مصطفى الكاظمي الحكومة، وكان الهدف منها، على ما قيل في حينه، اغتيال الكاظمي الذي كان لوح بخطوات لم تكن قيادات “معلومة” راضية عنها.

وفي أسبوع “الصولة” الأول سجلت مواقف خارجية عكست حالة تدخل في الشأن الداخلي قوبلت بالغضب من حكومة بغداد، اذ طلبت طهران في زيارة رسمية قام بها وزير الخارجية عباس عراقجي استثناء بعض قيادات موالية مدرجة على لوائح الاعتقال في إطار الحملة ضد الفساد، وقد جوبه الطلب بالرفض، إلا أن طهران لم تكفّ عن التدخل إذ أوفدت لاحقاً للغرض نفسه قائد فيلق القدس، إسماعيل قاآني، الذي لم يكن حظه أحسن من حظ عراقجي. ويميل مراقبون الى أن طهران تريد، من كل هذه التحركات، الحفاظ على أوراق قوة لها في بغداد يمكنها استثمارها إذا ما سنحت لها الفرصة مستقبلا، ومن ذلك إبقاء “وكلائها” النافذين في منأى عن أي حساب.

إلى هذا الحد، تبدو الصورة واضحة، والزيدي يؤكد أنه ماض في حملته حتى النهاية، لكن هناك من يرى أن الضغوط عليه سوف تشتد، وأن قوى محلية ذات حول وطول لن تستسلم لمقاديرها بيسر، ومعلوم أن ردات الفعل هذه قد تكون محسوبة لدى صانع القرار الذي يهمّه نجاح حملته، والوصول بها إلى نتيجتها المتوخّاة.

تظل هناك نقطة مهمة، أن هناك من رأى في الحملة فعلا قاصراً ومحدوداً لا يستحق كل هذه الضجة، ويراهن هؤلاء على أنها سوف تنتهي كما بدأت، وسيظل “الحيتان” الكبار في مواقعهم، ولن يتساقط سوى نفر من “الحيتان” الصغار الذين سوف تتم التضحية بهم، وسنعود إلى المربع الأول. على أن هؤلاء الذين يروْن من الكأس نصفها الفارغ يطمعون، كما أوضح أحدهم، في “ثورة” تطرح عملية سياسية وطنية، وتؤسّس لنظام جديد، ومع أن هذا الطرح يبدو سليماً ومقبولاً، الا أنه ينبغي ألا يحجب عن الرؤية ما يمكن أن تقدمه أية حملة ضد الفساد مهما كانت محدودية نتائجها، وما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه

التعليقات معطلة.