مركز دراسات: نجاح حملة مكافحة الفساد يتطلب إصلاح النظام السياسي القائم

4



الحملة حظيت بترحيب محلي ودولي بما يعزز بيئة الاستثمار

 ترجمة حامد أحمد

تناول تقرير لمعهد، Quincy Institute، الأميركي للدراسات، حملة مكافحة الفساد التي يقودها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، مؤكدًا أنه رغم أهميتها فإنها لن تحل المشكلة ما لم يرافقها إصلاح النظام السياسي والمؤسسي المبني على المحاصصة الذي يُعد السبب الجذري للفساد في البلد، مشيرًا إلى أن الحملة حظيت بدعم وترحيب محلي ودولي، لا سيما من الولايات المتحدة والصين، بما يعزز استقرار مؤسسات الدولة العراقية وتحسين بيئة الاستثمار.

وأشار التقرير إلى أن الزيدي، ومنذ توليه رئاسة الوزراء في مايو/ أيار، أطلق حملة غير مسبوقة ضد شخصيات نافذة في المؤسستين السياسية والإدارية، شملت التحقيق في مليارات الدولارات التي يُشتبه في سوء إدارتها، ووصلت إلى أعماق شبكات المسؤولين والبيروقراطيين والفاعلين السياسيين الذين استفادوا من نظام المحاصصة والمحسوبية السياسية في العراق.
وقد حظيت هذه العملية، التي أطلقت عليها القيادة العراقية اسم “الفجر”، بترحيب واسع من القوى الأجنبية. إذ يرى المسؤولون الأميركيون وأطراف من المجتمع الدولي فيها مؤشرًا على أن بغداد ربما بدأت أخيرًا في مواجهة الفساد الذي قوض الحكم في البلاد على مدى عقدين. كما أن الصين، التي تُعد أحد أكبر الشركاء الاقتصاديين للعراق، لديها أيضًا أسباب تدعوها إلى الترحيب بمزيد من الاستقرار المؤسسي.
بل إن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي ارتبط اسمه طويلًا بالنظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003، أشاد بحملة الزيدي ضد “الذين بددوا أموال الشعب العراقي”. كما أعلن زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، دعمه لما وصفه بـ”حملة الإصلاح البطولية”.

جذور الفساد
يذكر التقرير أن النظام السياسي الذي تشكل في العراق بعد الغزو الأميركي للبلد عام 2003، تحول إلى شبكة معقدة من المحسوبية والزبائنية، تغذيها مليارات الدولارات التي خُصصت لإعادة الإعمار. وعندما كان السياسيون يُعيَّنون في المناصب الوزارية، كانت الوزارات تتحول في كثير من الأحيان إلى امتداد للأحزاب السياسية، فتُملأ بالمناصرين والموالين بدلاً من أصحاب الكفاءة والخبرة الفنية.
أما المسؤولون في المستويات الأدنى من الهرم الإداري، فكثيرًا ما أنشأوا بدورهم شبكات محسوبية خاصة بهم، يطالبون من خلالها بالحصول على مدفوعات غير قانونية، ويمنحون العقود لحلفائهم، ويقيمون أنظمة غير رسمية لاستخلاص الأموال والمنافع.
أبو بكر الجامعي، محلل بارز في قضايا الفساد من الجامعة الأميركية للبحر الأبيض المتوسط، يقول: “ينشأ الفساد من المدفوعات التي تُدفع مقابل عدم تطبيق القانون، وبهذا المعنى، فإن الفساد يسهم في تمويل سيادة القانون وتقويضها وإضعافها.”
وفي العراق، كما في أماكن أخرى من الشرق الأوسط، تتخذ مظاهر الفساد أشكالًا متعددة، من بينها الممارسات غير الرسمية ذات الطابع الابتزازي والاستغلالي، التي تدر أرباحًا كبيرة على القائمين عليها. وقد عانى العراقيون العاديون من آثار ذلك لسنوات، إذ واجه المواطنون مطالب بدفع الرشاوى لإنجاز أبسط المعاملات الإدارية، بينما كانت بعض الأجهزة الأمنية والجماعات المسلحة تفرض في أحيان كثيرة إتاوات ومدفوعات عند نقاط التفتيش.
وفي الوقت نفسه، اختفت مليارات الدولارات التي خُصصت لإعادة الإعمار، والبنية التحتية، والخدمات العامة، داخل شبكات مالية معقدة تفتقر إلى الشفافية. وكشفت فضيحة ما يُعرف بـ”سرقة القرن” مدى تغلغل الفساد في مؤسسات الدولة العراقية.

عشر سنوات من الانتفاضة ضد الفساد
قبل أكثر من عقد من الزمن، اجتاحت الاحتجاجات المناهضة للحكومة معاقل الأحزاب السياسية المهيمنة في العراق، بما في ذلك العاصمة بغداد والبصرة والنجف وكربلاء والحلة. وانطلقت هذه الاحتجاجات نتيجة الغضب من الفساد، وانقطاع الكهرباء، وارتفاع معدلات البطالة، وتردي الخدمات العامة.
استجاب رئيس الوزراء السابق آنذاك، حيدر العبادي، لهذه الاحتجاجات بإطلاق سلسلة من المبادرات لمكافحة الفساد، شملت إنشاء هيئة عليا لمكافحة الفساد. إلا أن هذه الإجراءات اعتُبرت على نطاق واسع إصلاحات شكلية، إذ أضافت طبقة جديدة من البيروقراطية من دون معالجة المشكلات البنيوية العميقة التي تغذي الفساد المستشري.
ويختلف نهج الزيدي بصورة ملحوظة، إذ يبدو مستعدًا لمواجهة تحدي إصلاح نظام سياسي يقوم على منح المناصب للسياسيين العراقيين استنادًا إلى انتماءاتهم العرقية والطائفية، بدلاً من الكفاءة.
ويشير التقرير إلى أنه ليس هناك شك في أن أجهزة رقابة مالية دولية قد لعبت دورًا في كشف شبكات مالية غير مشروعة. فتهريب أكوام من الدولارات الأميركية يصل ارتفاعها إلى أمتار ليس أمرًا يمكن إخفاؤه بسهولة دون أن يترك آثارًا. ومن المرجح أن تكون آليات وزارة الخزانة الأميركية وأنظمة تتبع المعاملات المالية قد ساهمت في رصد التحويلات المشبوهة.

تحديات إصلاح النظام السياسي
يخلص التقرير إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه الزيدي يتمثل في أن الفساد متجذر في بنية الدولة نفسها، فهو ليس محصورًا بعدد محدد من الأفراد الفاسدين، بل هو نظام مؤسسي متغلغل في الأحزاب السياسية، ومؤسسات الدولة، وشبكات المحسوبية، وآليات توزيع الموارد العامة، وهذا الأمر يتطلب إعادة النظر في التشكيلة السياسية التي حكمت العراق منذ عام 2003.
كاوا حسن، باحث في مركز ستيمسون للدراسات، يقول إن هذا النظام السياسي هو “السبب الجذري للفساد”، مشيرًا إلى أن الحملة يجب ألا تركز فقط على مظاهر الفساد، بل يجب أن تستهدف الأسباب الحقيقية وراء هذا الفساد ومحاولة جدية لتفكيك البنية السياسية والإدارية التي سمحت للفساد بالترسخ والتفشي.
عن موقع Responsible Statecraft الأميركي

التعليقات معطلة.