علي الزيدي… رجل المرحلة أم مرحلة تبحث عن رجل؟

3

 

 

في العراق، لا يبدأ الامتحان بعد انتهاء مدة الحكم، بل يبدأ في اليوم الأول.

ولهذا فإن السؤال الذي يتردد اليوم في الشارع العراقي ليس: هل نجح علي الزيدي أم فشل؟ فهذا سؤال سابق لأوانه. والسؤال الحقيقي هو: هل بدأ يسير في الطريق الذي ينتظره العراقيون، أم أنه سيسلك الطريق الذي سار فيه من سبقوه؟

علي الزيدي لم يصل إلى رئاسة الحكومة بوصفه زعيماً جماهيرياً قاد حركة وطنية، ولا بوصفه صاحب مشروع سياسي أو فكري معروف، ولا باعتباره الشخصية التي تصدرت المشهد العراقي طوال السنوات الماضية. لقد جاء في لحظة استثنائية فرضتها ظروف داخلية وإقليمية ودولية معقدة، ولذلك كان وصوله بدايةً لأسئلة كبيرة أكثر منه نهايةً لها.

لكن الشعوب لا تكتب التاريخ بالطريقة التي يصل بها القادة إلى السلطة، وإنما بالطريقة التي يمارسون بها السلطة بعد وصولهم إليها.

ومن هنا يقف العراق اليوم أمام مشهد مختلف.

فالعراقيون، وخصوصاً النخب الوطنية والمثقفون، لا يقفون في صف التأييد المطلق، كما أنهم لا يقفون في صف الرفض المطلق. لقد تجاوزوا مرحلة التصفيق المبكر، كما تجاوزوا مرحلة إطلاق الأحكام المتسرعة. إنهم يراقبون… ينتظرون… ويمنحون الوقت، لكنهم لا يمنحون الثقة مجاناً.

لقد علمتهم تجارب أكثر من عقدين أن الدولة لا تُبنى بالشعارات، وأن النوايا الحسنة لا تكفي، وأن الرجال لا يُقاسون بما يقولون، بل بما ينجزون. لذلك أصبح المزاج العراقي أكثر نضجاً، وأكثر حذراً، وأكثر تمسكاً بفكرة أن الأفعال وحدها هي التي تستحق الثقة.

ولهذا يمكن اختصار موقف كثير من العراقيين بجملة واحدة:

لسنا معك… ولسنا ضدك… لكننا ننتظر الدليل.

لقد ظهرت حتى الآن خطوات يراها كثيرون إيجابية، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، لكنها لم تتحول بعد إلى يقين وطني راسخ. فما زال العراقيون ينتظرون قرارات أكبر تثبت أن العراق دخل بالفعل مرحلة مختلفة، وأن الدولة بدأت تستعيد قرارها وسيادتها وهيبتها، بعيداً عن أي نفوذ أو تبعية.

فالثقة لا تصنعها الخطب، ولا المؤتمرات، ولا الحملات الإعلامية، بل تصنعها القرارات الصعبة عندما تتعارض مع مصالح القوى النافذة، وتُقاس بقدرة الدولة على فرض القانون، ومحاربة الفساد، وحصر السلاح بيدها، وصيانة القرار الوطني، وبناء علاقات خارجية تنطلق من مصلحة العراق أولاً.

ولهذا فإن كل خطوة يتخذها رئيس الوزراء ستكون موضع قراءة دقيقة. فالعراقيون لا يريدون رئيس حكومة يدير الأزمات، بل رجل دولة يصنع التحول. ولا يريدون تغييراً في الأسماء، بل تغييراً في طريقة إدارة الدولة نفسها.

إن علي الزيدي يقف اليوم أمام فرصة قد لا تتكرر. فالتاريخ لا يمنح القادة فرصاً كثيرة، والشعوب التي دفعت أثماناً باهظة لم تعد تمنح ثقتها بسهولة، لكنها في الوقت نفسه لا تغلق باب الأمل أمام من يثبت أنه يستحقها.

والعراقيون لا يبحثون اليوم عن رئيس حكومة جديد، بل عن بداية جديدة. لا يريدون بطلاً إعلامياً، ولا خطيباً بارعاً، ولا صانع شعارات، بل يريدون رجل دولة يعيد إليهم الثقة بأن العراق قادر على أن يستعيد سيادته، وهيبة مؤسساته، وقراره الوطني المستقل.

إن النخب الوطنية والمثقفين، ومعهم قطاع واسع من العراقيين، لا يقفون اليوم في خندق المعارضة ولا في خندق التأييد. إنهم يقفون في خندق الانتظار. يراقبون كل قرار، ويقرأون كل خطوة، لأنهم يريدون أن يحكموا على الإنجاز لا على النوايا، وعلى الأفعال لا على الأقوال.

فإذا استطاع علي الزيدي أن يحول المؤشرات الإيجابية إلى مشروع دولة، وأن يبرهن بقراراته أن العراق أولاً، وأن سيادته ليست محل مساومة، وأن القانون فوق الجميع، فلن يحتاج إلى من يصفه برجل المرحلة، لأن التاريخ سيفعل ذلك نيابة عن الجميع.

أما إذا بقيت الخطوات أقل من مستوى التحول الذي ينتظره العراقيون، فإن الشكوك ستبقى أقوى من الثقة، وسيظل السؤال مطروحاً بإلحاح:

هل وجد العراق رجل المرحلة… أم أن المرحلة ما زالت تبحث عن رجل؟

التعليقات معطلة.