“الشرق الأوسط… حين تنتقل الحرب من إسقاط الأهداف إلى إسقاط القدرة على الاستمرار”

4

 

 

في الحروب الكبرى لا يكمن التحول الحقيقي في عدد الغارات. بل في طبيعة الأهداف.

 

ففي البدايات تبحث الجيوش عن تدمير السلاح.

 

أما عندما تنتقل إلى استهداف الموانئ. والجسور. وشبكات النقل. والعقد اللوجستية. ومراكز المراقبة البحرية. فإنها تكون قد غادرت مرحلة الاشتباك العسكري. ودخلت مرحلة إعادة تشكيل الدولة تحت النار.

 

وهنا تتغير فلسفة الحرب.

 

فالخبر الذي يمر عليه كثيرون بوصفه غارة على بندر عباس أو بوشهر. لا يقرأه العسكري المحترف بالطريقة ذاتها.

 

لأن بندر عباس ليس مجرد ميناء.

 

إنه الرئة البحرية لإيران.

 

وعقدة تربط الأسطول. والتجارة. والإمداد. ومضيق هرمز في منظومة واحدة.

 

أما بوشهر فلا تقتصر أهميتها على موقعها الساحلي. بل تمثل جزءا من البنية الحيوية المرتبطة بالطاقة والانتشار البحري في الخليج.

 

ولهذا فإن استهداف هذه المناطق لا يمكن قراءته باعتباره سعيا إلى تحقيق مكسب تكتيكي محدود.

 

بل محاولة لتقليص قدرة الدولة على إدارة الحرب نفسها.

 

وهنا يظهر التحول الأخطر.

 

فالولايات المتحدة تبدو وكأنها انتقلت من استهداف القدرات العسكرية المباشرة إلى استهداف البيئة التي تسمح لتلك القدرات بالعمل.

 

إنها لا تستهدف الصاروخ وحده.

 

بل الطريق الذي ينقله.

 

ولا تستهدف القطعة البحرية وحدها.

 

بل الميناء الذي يمدها بالحياة.

 

ولا تستهدف الرادار وحده.

 

بل شبكة المراقبة التي تمنح القرار العسكري عينيه.

 

وهذه ليست مجرد غارات.

 

بل عقيدة عسكرية تقوم على إنهاك البنية قبل إنهاك المقاتل.

 

وفي المقابل تحاول إيران أن تثبت أن استهداف بنيتها التحتية لن يسلبها القدرة على الرد.

 

لذلك تتجه إلى رفع كلفة الصراع على خصومها عبر الضغط على الممرات البحرية والمصالح الإقليمية وإظهار أن ميزان الردع لم ينهَر بالكامل.

 

ومن هنا فإن السؤال لم يعد.

 

من يربح الجولة العسكرية.

 

بل.

 

من يستطيع أن يحتفظ بقدرته على إدارة الدولة في ظل حرب طويلة.

 

وهذا هو جوهر التحول.

 

لقد غادرت الحرب ميادينها التقليدية.

 

وأصبحت تستهدف الأعصاب التي تبقي الدولة واقفة.

 

ولهذا فإنني أعتقد أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة.

 

مرحلة لا يكون الانتصار فيها لمن يطلق أكبر عدد من الصواريخ.

 

بل لمن ينجح في شل منظومة خصمه بأقل قدر من الاشتباك المباشر.

 

وإذا استمر هذا النمط من العمليات فإننا قد نكون أمام انتقال من حرب تدمير القدرات إلى حرب إعادة تشكيل الجغرافيا الاستراتيجية.

 

وعندها لن يكون السؤال الذي سيكتبه المؤرخون.

 

من انتصر في المعركة.

 

بل.

 

من أعاد تعريف قواعد القوة في الشرق الأوسط.

#ميان

التعليقات معطلة.