الصين تقوض نظاما عالميا مهد لصعودها

3



رهان بكين المحفوف بالأخطار في مواجهة الغرب
إنريكو فارديلا

سيرغي رادشينكو

الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، يوليو (تموز) 2026 (رويترز)

ملخص

بنت الصين صعودها عبر استغلال انفتاح النظام الدولي الذي يقوده الغرب، لكنها تخاطر اليوم بتقويض الأسس التي لا يزال ازدهارها يعتمد عليها، بسبب سعيها إلى الهيمنة الصناعية وتصدير فائض صناعاتها إلى الأسواق الخارجية. ويهدد تصاعد الإجراءات الحمائية بإغلاق الأسواق أمام المنتجات الصينية وإجبار بكين على إعادة توجيه اقتصادها نحو الاستهلاك المحلي ورفع دخول الأسر قبل أن يفرض العالم عليها هذا التحول.

عقب زيارتي الدولة المتعاقبتين إلى الصين في مايو (أيار)، واللتين قام بهما الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لاحظ كثير من المعلقين الأميركيين والأوروبيين أن اجتماعات القمتين لم تسفر عن نتائج جوهرية تذكر، لكن ذلك لم يكن مهماً من المنظور الصيني. فما كان مهماً هو الصور التي بثتها وسائل الإعلام الرسمية الصينية، إذ بدا الزعيم الصيني شي جينبينغ، على شاكلة أباطرة الصين الغابرين، وكأنه يستقبل بعثات لتقديم فروض الطاعة موفدة من أبرز الحكام الأجانب. وعلى المستوى الرمزي، عززت الزيارتان رواية بكين القائلة إن الصين تجاوزت منافسيها وعادت مجدداً إلى مركز العالم.

وتستند هذه الرؤية المفعمة بالثقة والتفوق إلى ادعاء صيني مفاده أن السوفيات أساؤوا إدارة الاشتراكية، وأن الأميركيين أفسدوا الرأسمالية، وأن الصين وحدها اكتشفت الصيغة القادرة على التوفيق بين سلطة الدولة وديناميكية السوق وإعادة الانسجام الدولي، لكن هذه السردية القومية تهدد بحجب حقيقة تاريخية جوهرية، وهي أن صعود الصين لم يتحقق خارج الأنظمة التي بناها منافسوها، بل من خلال استغلال بكين البارع لها. ففي عقودها الأولى، اعتمدت الصين الشيوعية على الاتحاد السوفياتي في بناء ركائزها. ومنذ أن ربطت سياسات “الإصلاح والانفتاح”، التي انتهجها دينغ شياو بينغ، الصين بالاقتصاد العالمي في أواخر سبعينيات القرن الـ20، استغلت الصين انفتاح الأسواق الغربية أمامها لتحول نفسها إلى قوة اقتصادية وعسكرية عظمى.

ومع ذلك، تبدو بكين غافلة على نحو لافت عن أن استمرار نجاحها يعتمد على النظام الذي تقوده الولايات المتحدة. ففي الأعوام الأخيرة، أحكمت بكين سيطرتها على سلاسل التوريد واكتسبت قدرة غير مسبوقة على الضغط على شركائها التجاريين. وأصبحت أشد جرأة في مسعاها إلى الهيمنة الصناعية، مستخفة بشكاوى أوروبا والولايات المتحدة من أن إفراطها في الإنتاج يقوض صناعاتهما. فعلى سبيل المثال، وبدلاً من الإقرار، خلال إحدى جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي في داليان، بأن الصين تعتمد على استعداد الدول، الغربية في معظمها، لمواصلة استيعاب فائضها، أكد رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ أن الصين تتمتع ببساطة بقدرة تنافسية أكبر لأنها تستثمر في الابتكار. وقد دفع إخفاق بكين في الإقرار بمشكلة فائض القدرة الإنتاجية، ناهيك بمعالجتها، شركاءها التجاريين الرئيسين، وهم جميعاً من الاقتصادات الغربية الكبرى، إلى حد السخط.

وفي الوقت الراهن، قد تبدو الصين صاحبة اليد العليا، بعدما رسخت موقعاً مهيمناً في عدد من الصناعات وسلاسل التوريد العالمية الحيوية. وأضعفت المنافسة الصينية الدول الأوروبية على وجه الخصوص، فيما يهدد عجز الاتحاد الأوروبي عن بلورة استراتيجية موحدة تجاه بكين بتآكل تماسكه الاقتصادي الداخلي، بل والسياسي أيضاً، لكن المحصلة على المدى الطويل قد تختلف كثيراً عما يفترضه القادة الصينيون. فالسخط المتزايد من الصين يدفع الولايات المتحدة وأوروبا بالفعل إلى اتخاذ إجراءات مضادة مشددة لحماية صناعاتهما. وهكذا، تغفل بكين المفارقة الأساسية الكامنة في نجاحها: فما زال صعود الصين مرهوناً بانفتاح الاقتصادات التي تأمل التفوق عليها، وطريقها إلى نظام عالمي ما بعد غربي لا يزال يمر عبر الغرب.

صعود مرهون بالاعتماد
تنعكس طموحات القوة العظمى في الطريقة التي تتصور بها موقعها في العالم. فمنذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، تمثل الطموح الاستراتيجي للصين في إعادة البلاد إلى الموقع الذي يرى قادتها أنها تستحقه في مركز النظام الدولي. ووفق هذه الرؤية، تمثل الهيمنة الغربية العقبة الرئيسة أمام عودة الحضارة الصينية إلى موقعها المركزي الطبيعي، وما سيترتب على ذلك، في نظر قادتها، من عودة الانسجام إلى العالم.

لكن بكين لم تسع إلى تحقيق هذا الهدف عبر رفض الأنظمة الدولية القائمة رفضاً قاطعاً. بل استغلتها أولاً لتسريع صعود الصين، ثم أخذت تتحداها تدريجاً من الداخل مع تعاظم قوتها. وتعاملت مع كل من النظامين اللذين قادهما الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة باعتبارهما وسيلتين إلى غاية، واستخدمتهما ببراغماتية وانتقائية لتعظيم مكاسبها السياسية والاقتصادية، مع الحفاظ على مجال مناورتها وتوسيعه.

ولم تتجل هذه الاستراتيجية في موضع أوضح من مشاركة الصين في النظام الليبرالي الغربي. فقد انطوت سياسة “الإصلاح والانفتاح” التي انتهجها دينغ على قرار براغماتي باستغلال النظام الليبرالي لمصلحة الصين. غير أنه منذ تسعينيات القرن الـ20، وحتى مع تعميق بكين اندماجها في الاقتصاد العالمي، أخذ القادة الصينيون ينظرون بصورة متزايدة إلى الصدارة الأميركية باعتبارها العقبة الرئيسة بعيدة المدى أمام النهضة الوطنية الصينية. وكانوا يخشون أن يشجع الانتظام المتواصل مع الغرب الانفتاح السياسي، وأن يقوض في نهاية المطاف احتكار الحزب الشيوعي الصيني للسلطة.

لذلك، تبنت بكين استراتيجية مزدوجة تقوم على استغلال انفتاح النظام القائم، فيما تعمل تدريجاً على تقويض مرتكزاته. وفي عهد شي، غدا هذا التوجه أكثر صراحة. ومثال ذلك مبادرة “الحزام والطريق”، برنامج التنمية الاقتصادية والبنية التحتية الدولي الضخم الذي أطلقته بكين عام 2013 ويشمل اليوم أكثر من 150 دولة. فمن خلال ربط الاقتصادات النامية والمتقدمة، بما فيها بعض الاقتصادات الأوروبية، بشبكة واسعة تتمحور حول الصين وتقوم على المعايير الصينية وسلاسل التوريد والشبكات المالية الصينية، سعت بكين إلى إزاحة مركز ثقل الاقتصاد الدولي بعيداً من المؤسسات التي قامت عليها القيادة الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية.

وعزز النمو السريع للنفوذ الاقتصادي والسياسي الصيني قناعة القادة الصينيين بأن الهيمنة الأميركية على النظام الدولي دخلت مرحلة تراجع لا رجعة فيها. وفي الأعوام الأخيرة، تبنى شي علناً مقولة “الشرق يصعد والغرب يتراجع” 东升西降، لكن الجذور الفكرية لهذه المقولة يمكن ردها إلى الأزمة المالية العالمية عامي 2007 و2008، التي عدها كثير من المحللين الصينيين دليلاً على مواطن الضعف البنيوية في النظام الليبرالي الغربي.

لا يزال صعود الصين مرتبطاً بانفتاح الاقتصادات التي تسعى إلى التفوق عليها



منذ أواخر عام 2025، أسهمت “ميمات” صينية واسعة الانتشار، مثل “عتبة الانهيار الأميركي” – أي الفكرة القائلة إن الأميركيين العاديين لا تفصلهم عن الانهيار سوى أزمة واحدة – في نشر تصور داخل الصين مفاده أن الولايات المتحدة تشهد تراجعاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. وبالنسبة إلى كثير من الشباب الصينيين الذين يواجهون تباطؤ الاقتصاد وتقلص الفرص، تبعث روايات الانحدار الأميركي على الاطمئنان إلى أن مشكلات الصين موقتة، في حين أن مشكلات الغرب بنيوية.

وفي غضون ذلك، يصور الاستراتيجيون ومتخصصو السياسة الخارجية الصينيون الغرب باعتباره منهكاً أخلاقياً وسياسياً، فيما يقدمون الصين بوصفها مصدراً للاستقرار والنظام والتجدد الحضاري. ويؤكد باحثون، من بينهم جين كانرونغ من جامعة رنمين في بكين، أن مركز ثقل العالم ينتقل تدريجاً من الفضاء عبر الأطلسي إلى آسيا، ولا سيما الصين. وقد اكتسب هذا الطرح بالفعل بعض القبول في أنحاء من العالم غير الغربي، في بلدان متباينة مثل كمبوديا وزيمبابوي وإيران، بل وحتى السعودية، حيث صورت بعض النخب السياسية الليبرالية الغربية على أنها تدخلية أو منافقة أو مستنفدة، وقدمت الصين بوصفها شريكاً في تحقيق الاستقرار وصون السيادة ودفع التنمية.

ووجدت الحجة الصينية موطئ قدم لدى بعض شرائح المجتمعات الغربية. فقد قدم قادة مثل رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان ورئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيتسو الصين بوصفها نموذجاً للاستقرار وبديلاً استراتيجياً من الليبرالية الغربية. وفي فرنسا وإيطاليا، دعت دوائر نافذة في عالمي الأعمال والسياسة منذ فترة طويلة إلى توثيق العلاقات مع بكين باعتبارها مصدراً للفرص الاقتصادية والاستقلالية الاستراتيجية. وحتى في ألمانيا، حيث ازدادت المواقف تجاه الصين تشدداً، لا تزال بعض أوساط المؤسسة الصناعية تفضل الانتظام الاقتصادي على المواجهة. كذلك عززت التوترات المتكررة بين ترمب والقادة الأوروبيين، في شأن التجارة والإنفاق الدفاعي وحلف شمال الأطلسي والرسوم الجمركية، تصور بكين بأن العلاقة عبر الأطلسي هشة، وأن أوروبا قد تسعى في نهاية المطاف إلى مزيد من الابتعاد عن واشنطن.

ومن منظور بكين، تستطيع الصين إزاحة النظام الذي تقوده الولايات المتحدة والحلول مكانه، لا بالدخول في مواجهة مباشرة معها، بل بأن تثبت بمرور الوقت قدرة أكبر منها على الاستمرار والتكيف، وأن تقنع عدداً متزايداً من الدول بأن القيادة الصينية تمنح النظام الدولي أساساً أكثر شرعية. وفي حسابات شي الاستراتيجية، يمكن تفادي ما يعرف بـ”فخ ثوسيديدس” [أي خطر انزلاق قوة صاعدة وقوة مهيمنة إلى الحرب حين تهدد الأولى مكانة الثانية] لأن الولايات المتحدة، وفق هذا التصور، ستضعف من الداخل قبل أن تصبح المواجهة الكارثية أمراً لا مفر منه.

ويعزز هذه الافتراضات اعتقاد بكين بأن الصين تستطيع النجاح بطرق عجز عنها نظيرها السوفياتي. فقد فشل السوفيات لأنهم لم يتمكنوا من مواصلة الصراع الاقتصادي والأيديولوجي اللازم لهزيمة الولايات المتحدة، أما الصين فترى أنها، بالاستناد إلى “الاشتراكية ذات الميزات الصينية”، تمتلك العمق الحضاري والقدرة السياسية على الصمود والحيوية الاقتصادية اللازمة لإزاحة الهيمنة الأميركية وتشكيل نظام عالمي جديد.

غير أن سردية الصين المتغنية بمجدها تتجاهل حقيقة أساسية… فقد اعتمد نجاح صعود الصين، في المقام الأول، على النظام القائم، بما أتاحه لها من نفاذ إلى المساعدات والتقنيات والخبرات، وفي نهاية المطاف إلى الأسواق. وعلى خلاف الاتحاد السوفياتي، لم تنشئ الصين قط نظاماً بديلاً شاملاً قادراً على أن يحل محل المؤسسات التي يقوم عليها النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة. بل اعتمدت على انفتاح النظام القائم، فيما راحت تتحدى تدريجاً قواعده ومؤسساته من الداخل. ونتيجة لذلك، كلما تمكنت الصين من إضعاف النظام الليبرالي الذي أتاح صعودها، ازداد خطر تقويضها الأسس ذاتها التي لا يزال ازدهارها يعتمد عليها.

تقويض أسس ازدهارها
لا تجهل القيادة الصينية الاختلالات الاقتصادية الواسعة النطاق التي أحدثها صعود البلاد المدفوع بالصادرات. ففي الأشهر الأخيرة، تلاقت آراء كبار الاقتصاديين الصينيين ومسؤولين سابقين في البنوك المركزية حول أن التحدي الاقتصادي الأبرز الذي تواجهه الصين هو قصور الطلب المحلي. ويرى هؤلاء أن نموذج النمو المدفوع بالاستثمار أفضى إلى فائض في الادخار، وضعف استهلاك الأسر، وقصور مزمن في الطلب.

ويتزايد التوافق في كتاباتهم على أنه ما لم ترتفع دخول الأسر الصينية ويضطلع الاستهلاك بدور أكبر في النمو، فستواصل الصين توليد فائض في الإنتاج والادخار، مما يكرس فوائض هائلة في الحساب الجاري ويزيد اعتمادها على الطلب الخارجي.

غير أن الاقتصاديين الصينيين يلتزمون الصمت في معظمهم إزاء اعتماد الصين على استعداد الأسواق الخارجية لاستيعاب فائض إنتاجها ومدخراتها. أما نظراؤهم الأجانب، فيتقاطعون معهم في تشخيص الاختلالات المحلية، لكنهم يلفتون أيضاً إلى العواقب الدولية العميقة لاختلال توازن الاقتصاد الصيني. فعلى سبيل المثال، دأب المتخصص الاقتصادي المقيم في بكين مايكل بيتيس على القول إن كبح الاستهلاك وفائض الادخار المحلي دفعا الصين إلى تصدير السلع ورأس المال معاً، مما تطلب من اقتصادات أخرى، وفي مقدمها تاريخياً الولايات المتحدة، استيعاب الفوائض الصينية عبر تسجيل عجز تجاري وتلقي تدفقات رأسمالية.
ويوسع محللون أوروبيون الآن نطاق هذا التحليل ليشمل الاتحاد الأوروبي. فمن خلال تحويل وجهة فائض الإنتاج الصيني إلى الأسواق الأوروبية، وهو اتجاه تسارعت وتيرته بفعل الجهود الأميركية الرامية إلى تقليل الاعتماد على الواردات الصينية، قد تعرض بكين الاتحاد الأوروبي لضغوط متزايدة تؤدي إلى تآكل قاعدته الصناعية، ولمنافسة صينية تدفع الأسعار إلى الهبوط.

وإذا لم تعالج هذه الديناميكيات، فستؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة، واتساع أوجه التفاوت الاجتماعي، وتزايد الهشاشة الاقتصادية، مما يغذي التأييد للحركات السياسية القومية واليمينية المتطرفة في مختلف أنحاء أوروبا.

إن الآليات التي دعمت صعود الصين أصبحت تقيد مسار التنمية الصينية في المستقبل



وقد أدى نهج بكين بالفعل إلى تسريع ردود الفعل الحمائية في كل من الولايات المتحدة وأوروبا. ففي واشنطن، تبلور إجماع بين الحزبين على ضرورة تقليص الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية والتصدي لآثار فائض القدرة الإنتاجية الصيني المدعوم بالإعانات. وفي بروكسل، وصفت المفوضية الأوروبية الوضع الراهن للعلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والصين بأنه “غير قابل للاستمرار”. وتدرس أوروبا الآن اتخاذ إجراءات واسعة النطاق ومنسقة، تهدف إلى التعامل مع التحدي الصيني على مستوى النظام ككل.

وحتى الدول غير الغربية بدأت تحذو حذوهما. ففيما تنافس الصين الولايات المتحدة في الصناعات ذات التكنولوجيا المتقدمة، تواصل أيضاً دعم الصناعات التحويلية الصينية المنخفضة والمتوسطة التكنولوجيا بقوة، مما يحد من نمو دول مثل البرازيل والهند وإندونيسيا وتركيا. وقد أدى ذلك بالفعل إلى استجابات على صعيد السياسات، إذ وسعت الهند أدوات الدفاع التجاري وآليات فحص الاستثمارات المتعلقة بالشركات الصينية، فيما كثفت البرازيل وتركيا تحقيقاتهما في مكافحة الإغراق وناقشتا اتخاذ تدابير وقائية لحماية القطاعات الصناعية الاستراتيجية. ويمكن رصد اتجاهات مماثلة في إندونيسيا، حيث يسعى صناع السياسات بصورة متزايدة إلى تقليص الاعتماد على السلع المصنعة الصينية المستوردة وتعزيز سلاسل القيمة المحلية.

وكلما مضت بكين أبعد في سعيها إلى الهيمنة الصناعية، دفعت مزيداً من الدول إلى حماية أسواقها وتقليص اعتمادها على الصين، وأسهمت في تفكك النظام الاقتصادي الدولي الذي أتاح لها الصعود. وهنا تكمن المفارقة التي تحاصر النموذج الصيني: فالركائز نفسها التي قامت عليها نهضة الصين الاستثنائية باتت تثير مقاومة دولية وتدفع الاقتصاد العالمي إلى مزيد من الانقسام، بما سيضع قيوداً متزايدة على نموها مستقبلاً.

سوق الإغراق المفضلة
حتى الآن، رفضت بكين المخاوف الأميركية والأوروبية باعتبارها محاولة لإلقاء اللوم على الصين في الصعوبات الاقتصادية التي تعانيها الولايات المتحدة وأوروبا. ويجادل المسؤولون الصينيون بأن الفائض التجاري لبلادهم ليس نتيجة اختلالات داخلية، بل ثمرة مزايا نسبية حقيقية وخيارات طوعية اتخذها المستهلكون والشركات الغربية. ومن هذا المنظور، ليست مقاومة الغرب للتوسع الصناعي الصيني سوى محاولة عقيمة لعرقلة تحول لا رجعة فيه في ميزان القوى العالمي. والدلالة واضحة: ينبغي للولايات المتحدة وأوروبا أن تتكيفا مع صعود الصين، بدلاً من السعي إلى تقييده.

ويكشف رد بكين عن مسعى غير معلن، لكنه بالغ الدلالة، لإعادة تعريف موقع الصين، من قوة تناهض الهيمنة إلى قوة مهيمنة فعلياً تطالب الآخرين بقبول النظام الجديد الذي فرضته، لكن توقع بكين أن يواصل بقية العالم، إلى أجل غير مسمى، تقبل اعتماد متزايد باطراد على القدرات الصناعية الصينية توقع غير واقعي. فإذا استمرت الصين على مسارها الحالي، فلن يؤدي ذلك إلا إلى اشتداد رد الفعل المضاد لهيمنتها الصناعية.

وفي أفضل الأحوال، لا تملك الصين سوى إرجاء عملية التصحيح الحتمية، من خلال رفع كلفة انتقال شركائها التجاريين إلى سلاسل توريد بديلة. وفي موازاة ذلك، تستطيع بكين أن تستخدم حق الوصول إلى سوقها المحلية الضخمة ورقة ضغط، فتحشد الشركات الأجنبية والقوى السياسية التي لا تزال تنتفع من التعامل الاقتصادي معها، بغية إضعاف التأييد لتشديد السياسات التجارية والاستثمارية.

لكن أوروبا، على رغم تزايد الضغوط على اقتصاداتها، قد تجد مقاومة الصين أصعب مما تجدها الولايات المتحدة. وكما يرى مايكل بيتيس وإنريكو فارديلا، فإن البنية الاقتصادية للاتحاد الأوروبي تجعله أكثر عرضة لمواصلة تحمل تبعات الاختلالات الصينية. فمنطقة اليورو تضم اقتصادات تعتمد على التصدير وتحقق فوائض كبيرة، مثل ألمانيا وهولندا، إلى جانب اقتصادات في جنوب أوروبا تعتمد بدرجة أكبر على الواردات، وهو ما يباعد بين مصالح الدول الأوروبية في تعاملها الاقتصادي مع بكين.

وتستطيع الصين، نتيجة لذلك، أن تحول نفوذها الاقتصادي الخارجي إلى أداة لتعميق الانقسامات السياسية داخل أوروبا. كذلك فإن الخشية من رد انتقامي صيني يستهدف القطاعات الأكثر ارتباطاً بالسوق الصينية، وفي مقدمها صناعة السيارات الألمانية، إلى جانب السلع الفاخرة والآلات والصناعات المتقدمة، أضعفت أكثر قدرة أوروبا على بلورة استراتيجية اقتصادية موحدة تجاه بكين.

من المرجح أن ينقلب سعي بكين إلى الهيمنة على الصناعة العالمية عليها في نهاية المطاف



ويكشف تصاعد الخلاف بين بروكسل وبكين حاجة أوروبا إلى استراتيجية أكثر فاعلية. لذلك، تعمل المفوضية الأوروبية على تعزيز قدرتها على معالجة الاختلالات في علاقاتها الاقتصادية الخارجية وحماية استقرار الاقتصاد الأوروبي. وفي المقابل، ترى الصين أن استمرار دخول منتجاتها إلى السوق الأوروبية يمثل ضرورة استراتيجية.

ومع شروع الولايات المتحدة في تضييق وصول الصين إلى أسواقها وتقليص اعتمادها الاستراتيجي على الواردات الصينية، تتحول أوروبا إلى آخر سوق كبرى قادرة على استيعاب فوائض الإنتاج الصيني. وإذا استمرت الاختلالات التجارية مع بكين، فستؤدي إلى تراكم مزيد من الديون وتسريع تآكل القطاع الصناعي الأوروبي، مما يفاقم بدوره الانقسامات السياسية الظاهرة بالفعل في أنحاء القارة.

ولم تتجاهل بكين هذه المخاوف تماماً. فقد تعهدت مراراً بتنشيط الطلب المحلي، واتخذت بعض الإجراءات المحدودة لدعم الاستهلاك، وخففت جزءاً من لهجة خطابها الدبلوماسي سعياً إلى طمأنة الحكومات والمستثمرين الأجانب، لكن هذه التعديلات لا تزال محدودة للغاية ولا تمس أصل المشكلة: فالصين لا تزال تضع الإنتاج قبل الاستهلاك، وتمنح السياسة الصناعية أولوية على رفع دخول الأسر، وتفضل التوسع في الصادرات على إحداث إعادة توازن حقيقية في اقتصادها الداخلي.

وبذلك، تخاطر الصين بزيادة اعتمادها على الطلب الخارجي لتصريف فوائضها، في وقت تتراجع فيه رغبة العالم في استيعابها. ومن المرجح، من ثم، أن يرتد طموح بكين إلى الهيمنة الصناعية العالمية عليها بنتائج عكسية. فبدلاً من تمهيد انتقال سلس إلى نظام عالمي لا تقوده الولايات المتحدة، قد يقوض هذا الطموح الظروف الدولية التي أتاحت للصين صعودها. وربما لا يكون التحدي الأكثر إلحاحاً أمام القيادة الصينية هو كيفية تجاوز الغرب، بل كيفية إعادة التوازن إلى اقتصادها قبل أن يفرض العالم عليها ذلك.

تغيير النموذج
إذا استعادت أوروبا والولايات المتحدة السيطرة الفعلية على موازينهما الاقتصادية الخارجية، فستواجه الصين قيداً جوهرياً، إذ ستغلق أمامها الأسواق التي تصرف فيها فائض إنتاجها. ومن غير المرجح أن توفر الاقتصادات المتقدمة الأخرى أسواقاً بديلة، فيما لا تملك معظم الدول النامية القدرة المالية على تحمل العجز الخارجي اللازم لاستيعاب تلك الفوائض. وفي مثل هذه الظروف، ستضطر الصين، عاجلاً أم آجلاً، إلى إعادة بناء نموذجها الاقتصادي من الداخل.

ومن ناحية المبدأ، قد يكون ذلك أفضل ما يمكن أن يحدث لجميع الأطراف. فتحويل مسار النمو الصيني بنجاح يتطلب نقل حصة كبيرة من الدخل إلى الأسر، بما يرفع الاستهلاك ويقلص التفاوت الاقتصادي داخل البلاد ويجعل النمو أقل اعتماداً على الصادرات والاستثمارات الصناعية.

ومن شأن سياسات إعادة التوزيع هذه أن تضمن وصول حصة أكبر من ثمار النمو الاقتصادي إلى الأسر العادية، بدلاً من أن تتركز لدى الشركات والحكومات المحلية والقطاعات المحظية لدى الدولة. ومن المفارقات أن جمهورية الصين الشعبية قد تضطر، من أجل حماية رفاه شعبها على المدى البعيد، إلى أن تصبح أكثر اشتراكية من جديد، ولكن ليس بإضفاء الطابع الاشتراكي على الإنتاج هذه المرة، بل بتوزيع ثمار الازدهار على نطاق أوسع.

ومن شأن هذا التحول أيضاً أن يخفف التوترات مع الولايات المتحدة وأوروبا، ويقلص الاختلالات الاقتصادية العالمية، ويضعف منطق القومية الاقتصادية التي تحقق مكاسبها على حساب اقتصادات الدول الأخرى، لكن تغيير النموذج الاقتصادي الصيني سيكون، في الواقع، مهمة بالغة الصعوبة. ولكي ترفع القيادة الصينية حصة دخل الأسر من الناتج المحلي الإجمالي بدرجة ملموسة، سيكون عليها أن تنقل إليها قدراً موازياً من الموارد التي تسيطر عليها الشركات والحكومات المحلية حالياً، وهو تحول باهظ الكلفة اقتصادياً وسياسياً بالنسبة إلى بكين.

وإذا كانت مشكلة بكين العاجلة هي إقناع العالم بمواصلة استيعاب فوائضها، فإن تحديها على المدى الأبعد يتمثل في إيجاد طريق إلى الازدهار لا يقوم على الاعتماد على تلك الفوائض. وبالمثل، إذا كان التحدي المباشر أمام الولايات المتحدة وأوروبا هو استعادة السيطرة على موازينهما الخارجية وإحياء قاعدتيهما الإنتاجيتين، فإن مهمتهما على المدى الأبعد تتمثل في إشراك الصين في صياغة مسار لصعودها يكون أكثر انسجاماً مع متطلبات نظام دولي قابل للاستمرار.

وفي نهاية المطاف، قد يتوقف مستقبل الاستقرار الاقتصادي العالمي على مدى استعداد الصين لإعادة النظر في المنطق الذي استند إليه صعودها. فمنذ عام 1949، حققت استراتيجية الحزب الشيوعي الصيني المناهضة للهيمنة نجاحاً لافتاً في إعادة تشكيل البيئة الدولية وتهيئة المجال أمام صعود الصين الاستثنائي، وهو إنجاز يعود قبل كل شيء إلى جدية الشعب الصيني وانضباطه وقدرته على الصمود.

لكن التاريخ يحمل درساً تحذيرياً. فالقوى العظمى تدخل منطقة الخطر عندما تتوقف عن النظر إلى نجاحها باعتباره ثمرة ظروف مواتية وجهود متواصلة، وتبدأ في اعتباره تجسيداً لقدر تاريخي محتوم. وإذا وقعت بكين في هذا الفخ ورفضت الإصغاء إلى التحذيرات الغربية، فستشعل حرباً تجارية مدمرة تجعل العالم أشد سوءاً، وتحيل حلم النهضة الوطنية الصينية إلى ركام.



ترجمة عن “فورين أفيرز”، 15 يوليو (تموز) 2026

إنريكو فارديلا أستاذ في جامعة نابولي “لورينتالي”، وأستاذ غير متفرغ في جامعة جونز هوبكنز (كلية الدراسات الدولية المتقدمة – أوروبا)، والمدير المشارك لمعهد غواريني للشؤون العامة في جامعة جون كابوت.

سيرغي رادشينكو أستاذ في جامعة جونز هوبكنز (كلية الدراسات الدولية المتقدمة – أوروبا).

التعليقات معطلة.