عن حروب لا تنتهى

1

  فتحية الدخاخني  

اتفاق لوقف الحرب، يعقبه تهديدات جديدة ثم ضربات وهجمات تعيد إشعال الأوضاع ثم مفاوضات تستهدف الحل، وتعاد الكرة من جديد دون أفق واضح لموعد النهاية.

تاريخيا، عرف العالم حروبا طويلة امتدّت لعقود؛ مثل حرب المائة عام بين إنجلترا وفرنسا، وحرب الثلاثين عاما فى أوروبا، لكن تلك الحروب مهما طال أمدها انتهت بتسويات أعادت ترتيب النظام السياسي؛ فصُلح وستفاليا عام 1648 أنهى حربا استمرت 30 عاما وأعاد ترتيب الأوضاع فى أوروبا ومهد الطريق لرسم شخصية القارة فى العقود التالية.

وهناك الكثير من الأمثلة التاريخية على حروب انتهت باتفاقات سلام، أو استسلام عاصمة أو إعلان لوقف إطلاق النار، وهذا لا يعنى أنه لم تكن هناك اختراقات لتلك الاتفاقات، فتوازنات القوى فى كثير من الأحيان كانت تُحوّل اتفاقات وقف إطلاق النار لمجرد حبر على الورق.. لكن الصراعات كانت تصل لنقطة نهاية فما لا تنجح فيه المفاوضات كان يحسم عسكريا.

 

لكن اليوم، يبدو أن العالم دخل عصرا جديدا من النزاعات، والخلاف هنا ليس فى طول أمد الصراع، بل فى صعوبة وضع نهاية له. أصبحت الحروب المعاصرة عصية على الإغلاق تبحث عن نقطة نهاية دون جدوى، فى ظل تعقد وتشابك النزاعات وتمددها وتداخل أطراف عدة فيها بين قوى محلية وتنظيمات مسلحة وداعمون إقليميون ودوليون.

وتشير التقارير الدولية إلى أن حروب اليوم باتت أكثر تعقيدا وامتدادا.. ورصد تقرير لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام عام 2022 تزايد أمد النزاعات إثر تداخل أطراف وقوى عدة، ما يؤدى لسيولة الصراعات وتمددها وجعلها عصية على الحل.

عندما اندلعت الحرب الروسية- الأوكرانية لم تتوقع أكثر التحليلات تشاؤما امتداد النزاع حتى الآن، وكذلك الأمر بالنسبة للحرب الدائرة فى السودان وحرب غزة، وأخيرا حرب إيران. ومع كل جولة مفاوضات فى أى من تلك النزاعات كان يحدونا الأمل فى وضع حد للحرب وتداعياتها.. لكن أيا من الاتفاقات المعلنة لم يصمد حتى الآن، ولا تكاد تمر أيام وأحيانا ساعات حتى يتجدد النزاع دون أفق واضح للنهاية.

تاريخيا، كانت الحروب والنزاعات المسلحة محاولة لتغيير موازين القوى الدولية، تنتهى بمنح الأفضلية للمنتصر، ووضع قواعد تعترف بميزان القوى الجديد.

باتت الحروب وسيلة للمحافظة على توازن معين للقوى وربما البقاء فى السلطة، أصبحت هدفا فى حد ذاتها، فهى لا تسعى لإسقاط الخصم، بقدر سعيها لإضعافه وإبقائه منشغلا لسنوات فى نزاع يستنزف موارده. أصبح الأمر متعلقا بالقدرة على إدارة الحرب لا حسمها. عبر دعم أحد طرفى الصراع بأسلحة كافية للصمود دون تحقيق النصر، وفرض عقوبات مؤلمة على طرف آخر لا تسقطه، والدخول فى جولات مفاوضات لمنع انفجار الأوضاع دون بحث عن حل نهائى لأسباب الصراع.

وفى ظل تعدد موازين القوى الدولية، أصبحنا نعيش فى عصر حروب لا يريد أى من أطرافها تحمل تكلفة إنهائها، فالنزاعات المدارة أقل كلفة من تسوية لا يعرف تأثيرها على موازين قوى فى منظومة سياسية عالمية معقدة.

التعليقات معطلة.