قبل 48 ساعة من زيارة مرتقبة للزيدي إلى المملكة لجذب الاستثمارات
بغداد/ تميم الحسن
تبحث بغداد عن مخرج من أزمة الطائرات المسيّرة التي تقول السعودية إنها انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت مواقع داخل المملكة.
ولا تزال السلطات العراقية تأمل في ألا تثبت صحة الأنباء التي تتحدث عن تورط فصائل عراقية في الهجمات، أو أن يكون منفذوها، على الأقل، «خلية أوكرانية»، وفق ما أثير من ادعاءات رسمية.
وفي الوقت نفسه، تقول مصادر مطلعة إن طهران تمنع كشف أسماء المتورطين في الهجمات التي استهدفت إقليم كردستان، وكذلك في هجمات نُفذت خارج الحدود العراقية.
ووجّه رئيس الحكومة علي الزيدي الأجهزة الأمنية بالتحقيق في استهداف السعودية بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية، بحسب ما أعلنته الرياض.
لكن توقيت الهجوم لم يكن مريحاً لبغداد. فقد جاء قبل أيام من زيارة مفترضة للزيدي إلى السعودية، يُتوقع أن تتم غداً الخميس، بعد انتهاء زيارته الحالية إلى تركيا.
وتقول مصادر مطلعة إن الهجوم جاء «لإحراج الزيدي»، في وقت يسعى فيه رئيس الحكومة إلى فتح منفذ جديد لتصدير النفط عبر السعودية، والحصول على استثمارات خليجية، مقابل مطلب يبدو واضحاً: وقف هجمات وكلاء إيران.
بغداد للسعودية: لن نسمح بتحويل العراق إلى منصة للهجوم
لم تنتظر الحكومة العراقية طويلاً للرد على الاتهامات السعودية.
وأكد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، التزام الحكومة بمبادئ حسن الجوار، و«عدم السماح باستخدام الأراضي العراقية ممراً أو منطلقاً لأي اعتداء يستهدف الدول الشقيقة أو الصديقة»، مشيراً إلى اتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت تورطه، وفقاً لما ستسفر عنه نتائج التحقيقات.
وأضاف النعمان، في بيان حكومي، أن العلاقات مع السعودية «أخوية راسخة وعميقة»، وتقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة ومبادئ حسن الجوار، مؤكداً أن الحكومة لن تسمح بأي محاولة للمساس بهذه العلاقة، وستواصل العمل لحماية أمن العراق وتعزيز سيادته، والمحافظة على أمن واستقرار محيطه العربي والإقليمي.
وكانت وزارة الدفاع السعودية قد أعلنت، الاثنين، اعتراض وتدمير طائرات مسيّرة آتية من الأراضي العراقية، قالت إنها كانت تحاول استهداف منشآت بترولية في منطقتي الشرقية والرياض.
وقال اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية، إن «هذه المحاولات الإرهابية انطلقت من الأراضي العراقية ونفذتها ميليشيات إرهابية تابعة لإيران»، مؤكداً «حق المملكة الأصيل في الدفاع عن نفسها ومقدراتها، واحتفاظها بحق الرد في الوقت والمكان المناسبين».
وفي بيان آخر، أدانت وزارة الخارجية السعودية بأشد العبارات ما تعرضت له المملكة من اعتداءات بطائرات مسيّرة، مؤكدة تمسكها بحقها في حماية أمنها وسيادتها، والرد على مصادر العدوان وردع المعتدين.
وشددت الخارجية السعودية على ضرورة أن تتخذ الحكومة العراقية جميع الإجراءات الكفيلة بمنع استخدام أراضيها منطلقاً لأي اعتداءات تستهدف المملكة، بما يحفظ أمن المنطقة ويحول دون تكرار مثل هذه الهجمات.
الفصائل تنفي وتحذر الرياض!
لكن الرواية السعودية لم تجد قبولاً لدى الجماعات المسلحة في العراق.
ويرى سياسي قريب من تلك الجماعات، تحدث لـ«المدى»، أن السعودية «تزيف الحقائق»، مضيفاً أن الرياض «تتجنب الإشارة إلى الحوثيين الذين يستهدفون المملكة، وليس العراق».
وكانت ما تُسمى «المقاومة الإسلامية في العراق» قد نفت مسؤوليتها عن القصف الذي تعرضت له منشآت سعودية، لكنها لم تكتفِ بالنفي، بل أرفقته بتحذير شديد اللهجة.
وقالت في بيان: «بينما يواصل الكيان السعودي رمي الاتهامات نحو العراق، زاعماً أنه المصدر لقصف منشآته البترولية في الشرقية والرياض، فإن هذا الادعاء لا يزيدنا إلا يقيناً بأن العداء للعراق وشعبه سمة لاصقة بهذا النظام».
وأضافت: «إننا في المقاومة الإسلامية نوجّه للنظام السعودي تحذيراً واضحاً، نعلن فيه أن أي فعل سعودي أحمق سيُجابه بردٍّ قاسٍ، يجعلهم يعضون على أصابع الندم».
أربيل تنتظر الأسماء والقرار يصطدم بالنفوذ
لكن في الجهة المقابلة، تقول المصادر إن جهات متنفذة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني تمنع، حتى الآن، إعلان أسماء الجهات التي تقف وراء إرسال المسيّرات، ولا سيما تلك التي تستهدف إقليم كردستان.
وكانت (المدى) قد كشفت في وقت سابق أن السلطات أصبحت قريبة من تنفيذ ما تصفه بـ«عملية محسومة»، تستهدف المسؤولين عن الهجمات الأخيرة على كردستان.
وقد تكون الخطوة غير مسبوقة إذا قررت الحكومة عرض أسماء المعتقلين والمتهمين أمام الرأي العام، بعد سلسلة من الهجمات المتتالية على الإقليم.
وبحسب إحصاءات غير رسمية، تجاوز عدد الهجمات خلال الأشهر الخمسة الأخيرة 90 هجوماً، مخلّفاً نحو 170 قتيلاً وجريحاً.
والاثنين الماضي، قال رئيس حكومة إقليم كردستان، مسرور بارزاني، إن جزءاً من الهجمات التي تعرض لها الإقليم خلال الفترة الماضية انطلق من داخل العراق، مشيراً إلى أن بعض الطائرات المسيّرة التي استهدفت أربيل أُرسلت من محافظة نينوى.
ذاكرة الصواريخ
وتعيد هذه الاتهامات إلى الذاكرة ما حدث قبل خمس سنوات، عندما تعرض مطار أربيل لقصف صاروخي أدى إلى إصابة ستة أميركيين.
وقررت الحكومة آنذاك استبدال وعد قدو، قائد اللواء 30 «حشد الشبك» في سهل نينوى، بزين العابدين جميل خضر، الذي توفي بعد أقل من شهر من توليه المنصب إثر إصابته بفيروس كورونا، على خلفية اتهامات للواء بالوقوف وراء ضرب أربيل.
وقالت مصادر لـ«المدى» حينها إن الإجراءات تضمنت «إرجاع اللواء عدة كيلومترات عن الحدود مع كردستان لضمان منع وصول الصواريخ إلى أربيل».
وبين تلك الحوادث بقي السؤال كما هو: من يطلق النار من الأراضي العراقية؟ ومن يستطيع إيقافه؟
«خلية أوكرانية»… رواية جديدة في ملف غامض
وسط هذا الغموض، جاءت رواية «الخلايا الأوكرانية». وقال قاسم العبودي، مستشار الأمن القومي، إن هناك «جماعات اكتشفناها تمارس عمليات قصف محدودة، لكنها خلايا تابعة لأوكرانيا، وهو ملف معقد وقيد التحقيق في الوقت الحالي».
وأضاف أن السلطات ألقت القبض على أشخاص «اعترفوا بأنهم يعملون لصالح أوكرانيا»، مشيراً إلى أن «هناك مقاتلين عراقيين انخرطوا في الجيش الأوكراني، و200 جثة لعراقيين في روسيا».
لكن هذه الرواية تتناقض مع اعترافات ومواقف صدرت عن فصائل عراقية بشأن هجمات أخرى.
فالمؤسسات الرسمية التي تعرضت للاستهداف، ومنها جهاز المخابرات الذي تعرض لطائرة مسيّرة في آذار الماضي، قيل إن وراء استهدافه ارتباطات بالموساد، وفق ما جاء في بيان لـ«كتائب حزب الله».
وفي هجوم الرادارات في حزيران من العام الماضي، والذي كلّف العراق مليارات، بحسب عباس العرداوي، المقرب من الفصائل، فإن إحدى الهجمات كانت قد استهدفت سلاحاً «ساعد إسرائيل».
30 أيلول… موعد السلاح المؤجل
ويُفترض أن تنفذ بغداد في 30 أيلول قرارها بحصر السلاح بيد الدولة، وهو موعد مرتبط بنهاية مهمة التحالف الدولي، في وقت لا تبدو فيه الفصائل معترفة بهذا الموعد.
ويقول محمد نعناع، الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي، إن «الفصائل لن تسلم وأميركا لن تخرج».
ويؤكد نعناع لـ(المدى) أن «الفصائل لن تسلم السلاح لأسباب عقائدية، ولن تنضم إلى أي ترتيبات لإعادة هيكلة».
كما يقول إن «الولايات المتحدة اتفقت مع الحكومة العراقية على أن تبقى في العراق».
المسيّرات تحرج بغداد.. من هاجم السعودية: الفصائل أم «أوكرانيا»؟!

التعليقات معطلة.
