حين تصبح الطرق مرايا للروح!

1

سمر المقرن

يقول الرحالة والكاتب ماثيو كارستن: «الاستثمار في السفر هو استثمار في ذاتك.»

وهي عبارة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تختصر فلسفة كاملة في فهم الإنسان للحياة. فالسفر ليس ترفًا لمن يملأ أوقات فراغه، ولا هو مجرد انتقال من مطار إلى آخر، بل هو رحلة داخل النفس بقدر ما هو رحلة عبر الجغرافيا.

كل مدينة نزورها تمنحنا شيئًا لا يُشترى. قد يكون فكرة، أو ذكرى أو درسًا في معنى الاختلاف.

فنحن لا نعود من السفر بحقائب أكثر امتلاء بل بعقول أكثر اتساعًا، وقلوب أكثر تقبلًا للناس والحياة. ولهذا فإن الإنسان الذي يسافر كثيرًا لا تتغير خارطة العالم أمامه فحسب، بل تتغير خارطة أفكاره أيضًا.

السفر يعلّمنا التواضع. فعندما نقف أمام حضارة عمرها آلاف السنين، أو نتأمل شعبًا يعيش بسعادة رغم بساطة إمكاناته، ندرك أن الحقيقة ليست حكرًا على أحد، وأن لكل أمة طريقتها في صناعة الجمال. عندها يتراجع صوت الأحكام المسبقة، ويعلو صوت الفضول والرغبة في الفهم.

كما أن السفر يختبر الشخصية في تفاصيلها الصغيرة، في الصبر عند التأخير، وفي المرونة عند تغير الخطط، وفي الشجاعة عند خوض تجربة جديدة.

وكل موقف يمر به المسافر يضيف إلى شخصيته طبقة من النضج لا يمكن أن تمنحها الحياة الرتيبة.

لذلك يعود الإنسان من رحلاته مختلفًا، حتى وإن لم يلحظ ذلك في البداية.

ولعل أجمل ما في السفر أنه يمنحنا فرصة للقاء أنفسنا بعيدًا عن ضجيج الأيام. ففي مدينة لا يعرفنا فيها أحد، نكتشف حقيقتنا بعيدًا عن الأدوار التي فرضتها علينا الحياة.

هناك نصغي إلى أرواحنا أكثر، ونعيد ترتيب أولوياتنا، ونمنح قلوبنا استراحة تستحقها.

لهذا أؤمن أن أعظم الاستثمارات ليست تلك التي تزيد أرصدتنا البنكية، بل تلك التي تزيد أرصدتنا الإنسانية. فالأموال قد تأتي وتذهب، أما التجارب الصادقة فتبقى جزءًا من تكويننا، وترافقنا ما بقي العمر.

والسفر حين يكون رحلة للوعي قبل أن يكون رحلة للمكان، يصبح أحد أنبل الاستثمارات التي يمكن أن يقدمها الإنسان لنفسه، لأنه في نهاية كل طريق لا يكتشف العالم فقط بل يكتشف ذاته.

التعليقات معطلة.