أنت تبيع انتباهك.. مجاناً!

1

أسرار جوهر حيات

في الاقتصاد، لكل مورد قيمة، النفط له سعره، غرام الذهب له سعره، العقار بسعر، ورأس المال له سعر أيضاً، كما أن الوقت والانتباه، في العالم الرقمي، أصبحا مورداً اقتصادياً له سعره أيضاً!

ففي كل مرة نفتح بها تطبيقاً للتواصل الاجتماعي، كشبكة انستغرام، او سناب شات، او غيرهما، نظن اننا نستخدم خدمات مجانية، بينما في الواقع، نحن ندفع ثمنها بعملة «الوقت»، فالوقت في هذا الزمن له ثمن، فكثير من الاقتصاديين يعتبرون الوقت أصلاً اقتصادياً، وليس مجرد ساعات تمر.

لذلك، على سبيل المثال لا الحصر، الرواتب تحسب وفق الساعات في العديد من الدول، أو وفق اليوم، بالتالي أي ساعة تمر من وقتنا على مواقع التواصل الاجتماعي هي بالضبط تساوي قيمة وقتنا في عمل أو دراسة أو غيرها من انشغالات.

ويتجلى الأمر بوضوح، عندما نجد أن الشركات انتقلت من المنافسة على بيع المنتجات، التي كانت تمارسها في الماضي، الى المنافسة على الاستحواذ على وقتنا وانتباهنا، فهذا الوقت الذي نمنحه بالمجان لمواقع التواصل الاجتماعي، ولمشاهير أو حسابات نتابعها، تحوله هذه الحسابات الى منتج تبيعه بمقابل مادي لشركات ومؤسسات على هيئة إعلانات، فكلما استحوذ حساب ما، على أكبر قدر من وقت المتابع، وبالتالي انتباهه، زادت أسعار الإعلانات لدى هذا الحساب، مما يجعل المنافسة محمومة على مواقع التواصل الاجتماعي، فكل ثانية تقضيها أمام الشاشة تمنح المنصة فرصة اضافية لعرض اعلان، وجمع بيانات، وتحليل اهتماماتك، ثم بيع هذه المعرفة للمعلنين.

وبالتالي اصبح لدينا مصطلح «اقتصاد الانتباه»، حيث تحولت في هذا النوع من الاقتصاد، منصات التواصل الاجتماعي، من شركات تقنية الى شركات تتاجر بالانتباه البشري، وتحوله الى أموال، عبر إعلانات ترويجية.

ومن هنا يمكن الإشارة كذلك الى مصطلح اقتصادي آخر، وهو «تكلفة الفرصة البديلة»، فالقيمة ليست في ما نخسره فقط من وقت، بل في ما يمكن ان نكسبه لو استثمرنا الوقت بطريقة مختلفة، بدل ان نمنح وقتنا ونبيع انتباهنا بالمجان للمنصات الاجتماعية، التي بدورها تبيعه بأموال طائلة للمعلنين.

فناهيك عن ان ساعة واحدة يومياً قد تعني قراءة عشرات الكتب خلال عام، وقد تعني تعلّم لغة جديدة، أو اكتساب مهارة، أو اطلاق مشروع صغير، او حتى ممارسة الرياضة، بما ينعكس على صحتك وانتاجيتك، لكن عندما تستهلك هذه الساعة في مشاهدة محتوى عابر، فإن الخسارة لا تقاس بالدقائق، بل بالفرص التي لم تولد أصلاً.

ولأن الوقت ثمين، وانتباه المتابعين أصبح سلعة تدر أرباحاً لا تتوقف، فإن المنصات الرقمية نفسها أصبحت تعي قيمة وقت المستخدمين، فهي توظف علماء بيانات وخبراء سلوك ومختصين لإبقاء المستخدم أكبر فترة ممكنة داخل التطبيق، فكل دقيقة إضافية تعني إعلاناً جديداً ودخلاً اقتصادياً أكبر وأرباحاً أكثر، مصدر أرباحها هو وقتنا الذي نمنحه بالمجان لها.

ففي العالم الرقمي اليوم، أصبحنا أمام سوق كامل قائم على بيع وشراء الانتباه، وأصبح فيه الإنسان، ووقته، وانتباهه، منتجات يتم تداولها في هذا السوق، بالتالي أصبح من الضرورة بمكان ان نعيد خريطة التخطيط ليومنا، وأن نغير طريقة حسابنا لأصولنا، وربما علينا ان نراجع يومياً او شهرياً، فاتورة «وقتنا» لنعي أين نقضيه، وكم يدر علينا من أرباح، تماماً كما نراجع حساباتنا البنكية، لأن أخطر ما في اقتصاد اليوم هو انه لا يسرق أموالك، بل يستحوذ على وقتك، ويبيعه في السوق الرقمي.

أسرار جوهر حيات

 

التعليقات معطلة.