ماردين المسيحية

1

عبود يعقوب بوغوص

رافقنا أنا وزوجتي بدءاً من إسطنبول مجموعة من أقارب وأحباء من أصول ماردينية توجهوا من أميركا وكندا إلى ماردين أرض الأجداد في رحلة سياحية وجدانية.

لقد شُغِفنا بما شاهدناه هناك، الذي كان تماماً كما وصل إلى أسماعنا من كبار السن من وصف لتلك المدينة الجميلة القائمة على جبل والمبنية من الحجارة المنحوتة والتي يتميز عَمَار بيوتها بنمط خاص؛ إذ أن شرفة البيت الواحد هي سطح لبيتٍ أسفله. زواريبها التي مشى عليها أجدادنا ضيقة مرصوفة بالحجارة تخترق المدينة وتدعو للعجب.

لقد أدرجتها اليونسكو في لائحة التراث العالمي لهذه الميزات النادرة وصارت قبلة لملايين السياح.

لا عجب في ذلك فهي مدينة القديس مالويان وكثير من بطاركة ومطارنة الأرمن والسريان، ويفتخر أهالي ماردين بفيروز “الماردينية”، وشخصيات عالمية لا تحصى في مجالات العلمِ والعمل والفن والتاريخ والعطاء الطوعي.

المدينة التي يفوق عدد سكانها اليوم 133000  يوجد فيها فقط 500  مسيحي معظمهم من السريان الأرثوذكس إلى جانب الأرمن الكاثوليك والسريان الكاثوليك والكلدان. إنهم يشكلون 4 بالألف فقط من عدد السكان ولهم بريقهم الخاص في وسط الكثرة النسبية. إنهم متحابين متفاهمين متماسكين ومحبوبين من الجميع. ولقلة أعدادهم وكي لا تُهْمَل اية كنيسة مرمّمة؛ فقد اتفق الجميع ان ينتقلوا سوية كل يوم أحد كي يقيموا مداورة قداساً واحداً فقط في كنيسة طائفة من الطوائف ، فهم هنا لا يعنيهم انقسام الكنائس.

شنّفنا آذاننا بلغتهم العربية ذات اللهجه الخاصة المحببة، واستطبنا أكلات المطبخ المارديني المميز. وطربنا بأغانيهم ورقصاتهم وحفلاتهم، هكذا عاش اجدادنا هناك. فلا عجب إن استمتعنا بعمقٍ بكل ذلك لأنه مطبوع في جيناتنا الموروثة منذ مئات السنين.

زرنا الكنائس الضاربة في القدم وقرأنا في حجارتها بصمات المؤمنين الأوائل ولامست قلوبنا نفحات القداسة والقديسين.

إحتكينا بمسلمي ماردين الطيبين فوجدناهم متفاعلين بما يحمل هؤلاء المسيحيون في عاداتهم وطعامهم وفنهم. والأهم رأيناهم متأثرين ومطبوعين بما يحمل المسيحيون من المحبة وروح الصداقة والوئام والقيم الجميلة تجاه الجميع، إلى جانب تأثرهم بالعادات والتقاليد.

يتعاطى المسيحيون مع مواطنيهم المسلمين كأخوة لهم إن كانوا جيراناً أو متعاملين أو تجاراً، يحبونهم، يأتمنونهم إلى أقصى الحدود وحتى على كنائسهم. وبالمقابل لا تقل مواقف المسلمين تجاههم من المحبة والوفاء والغيرة فهم مستسلمين لطيبتهم الإنسانية لا يصغون لأي اعتبارٍ أو تقليدٍ آخر سوى المحبة الصافية الفطرية النابعة من القلب.

تراهم يحرصون على رضاهم ويعبرون عن غصة في قلوبهم لما حدث من مآسي عام 1915.

لقد احتفظت المدينة بالطابع المسيحي وبقيت سمة ماردين أنها مدينة مسيحية.

هكذا يفعل “ملح الأرض” أينما سقط وكأن كلام يسوع:”فليروا أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات” قد فعل فعله وأدهش مواطنيهم الآخرين.

انطلاقاً من هنا نقول إننا لا نخف إن نقص عدد المسيحيين في أي بلد في العالم إذ أنهم سيكونون الخميرة الصالحة القليلة في وسط العجين الكبير وسيبقى وجودهم صامداً ولن تقوى عليه الرياح من أينما أتت.

التعليقات معطلة.