حروف نيرة

1

 

د. أريج السنان

زهايمر… جلسة عائلية

يُعدُّ برُّ الوالدين من أجلِّ القيم التي دعا إليها الإسلام، وتزداد الحاجة إليه كلما تقدم بهما العمر. قال تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ (الإسراء:23). وتبقى هذه الوصية أبلغ ما يهدي الأبناء إلى حسن التعامل مع والديهم، لاسيما في مراحل المرض والضعف.

ومن الأمراض التي قد تصيب كبار السن مرض الزهايمر، وهو مرض يصيب الدماغ ويتطور تدريجياً، فيؤثر في الذاكرة والإدراك والتفكير، وقد ينعكس على سلوك المريض وقدرته على ممارسة شؤون حياته اليومية، فتتغير كثير من تصرفاته التي تبدو غريبة نتيجةً مباشرة للمرض، لا تعبيراً عن إرادة صاحبه.

قد يكرر مريض الزهايمر السؤال نفسه، أو ينسى ما قيل له بعد دقائق، أو يخلط بين الأشخاص، يتغير مزاجه فيغضب أو يقلق أو يرفض المساعدة أحياناً. وهذه التصرفات ليست عناداً ولا تقصيراً، وإنما هي من آثار المرض، ولذلك فإن فهم طبيعتها هو أول خطوة نحو حسن التعامل معه.

وهنا تتجلى معاني الآية الكريمة؛ فلا يُقابل نسيانه بالتوبيخ، ولا تكرار حديثه بالتضجر، ولا تغير سلوكه بالقسوة، بل يُعامل بالرفق، ويُخاطب بالكلمة الطيبة، ويُصبر عليه، حفظاً لكرامته، ووفاءً بحقه الذي أمر الله به.

رعاية مريض الزهايمر لا تقتصر على العلاج والدواء، بل تشمل تقرب الأسرة من أبناء وأحفاد ووجودهم حوله، واستمرار زياراتهم، وكذلك الجلسات العائلية العامة من وقت إلى وقت، وإشعاره بأنه موضع محبة واهتمام، وليس عبئاً على من حوله. كما يحتاج إلى تنظيم حياته اليومية، من طعام ودواء ونوم، ومرافقته عند الحاجة، وتأمين من يرعاه إذا تعذر على الأسرة القيام بذلك.

وقد يفقد مريض الزهايمر كثيراً من ذكرياته، لكنه لا يفقد حاجته إلى الرحمة والحنان.

وتشير دراسات عديدة إلى أن كثيراً من المرضى قد لا يتذكرون التفاصيل، لكنهم يظلون يستجيبون للعاطفة، ونبرة الصوت، والشعور بالأمان مهما أثقل المرض ذاكرتهم؛ ولذلك تبقى الكلمة الطيبة، والابتسامة، والرفق ذات أثر عميق في نفوسهم، وإن عجزوا عن التعبير عنه، ومن كان بالأمس يسهر على راحة أبنائه، ويصبر على ضعفهم، يحتاج اليوم إلى من يصبر عليه.

برُّ الوالدين لا يقف عند مرحلة القوة، بل يبلغ ذروته عندما يضعفان ويصبحان أحوج ما يكونان إلى الرحمة والرعاية. وإذا كانت الذاكرة قد غابت، فإن حقهما لا يغيب، بل يبقى ثابتاً، تؤكده وصية الله تعالى بالإحسان إليهما، وحفظ كرامتهما، والصبر عليهما.

ولعل من أعظم صور البر في هذه المرحلة أن يشعر الوالدان أن مكانتهما في قلوب أبنائهما لم تتغير، وأن الرحمة التي غرسَاها في نفوسهم عادت إليهما إحساناً ووفاءً.

التعليقات معطلة.