«لا تذهب إلى السعودية»!

3



وتقول مصادر قريبة من الحشد الشعبي إن الفصائل «لا تملك القدرة على مهاجمة السعودية، وإلا لكانت فعلت ذلك من قبل بسبب مواقف السعودية المعادية لمحور المقاومة».

وتضيف المصادر التي تحدثت لـ(المدى) أن الحكومة العراقية لم تستطع حتى الآن إجراء تحقيق حاسم في ما تزعم الرياض أنه هجوم انطلق من الأراضي العراقية، ولم تحترم بغداد، بحسب المصادر، ما وعدت به من كشف الجهات المتورطة ومحاسبتها، الأمر الذي أبقى الاتهامات السعودية بلا إجابة عراقية حاسمة.
وكان رئيس الحكومة علي الزيدي قد وجّه الأجهزة الأمنية بالتحقيق في استهداف السعودية بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية، بحسب ما أعلنته الرياض.
وتتساءل المصادر: «إسرائيل لم تعرف مصدر الطائرات التي تهاجمها، فكيف عرفت السعودية بأنها قادمة من العراق؟».
وبحسب المصادر، فإن قيادات في الفصائل اعتبرت أن «ذهاب الزيدي إلى السعودية خزي وعار ويجب إلغاؤه».
كما دعت الفصائل، وفق المصادر نفسها، رئيس الحكومة إلى إعلان إيقاف إجراءات حصر السلاح بيد الدولة، بذريعة أن الحكومة «غير قادرة على حماية الدم العراقي»، مع احتمال تكرار الهجمات من دول الخليج.
ودعت أيضاً إلى أن تقوم الحكومة بالرد، وهو ما طالب به سعود الساعدي، النائب عن كتلة حقوق، المظلة السياسية لـ«كتائب حزب الله»، على القصف السعودي.
من يقف خلف الهجمات؟
وفي خضم تبادل الاتهامات، قالت المصادر القريبة من الفصائل إن الهجمات الأخيرة ربما تكون قد نُفذت من جانب إسرائيل، مشيرة إلى أن إسرائيل «أنشأت مقرات في صحراء النجف والمثنى المقابلة للسعودية».
وعقب الهجمات، أعلن الزيدي عقد اجتماع للمجلس الوزاري للأمن الوطني، فيما لم تعلن الحكومة موقفاً رسمياً واضحاً حتى لحظة كتابة التقرير.
وتسربت معلومات من الخليج تفيد بأن الزيدي قرر إلغاء الزيارة المرتقبة إلى السعودية، التي كانت تتناول ملفات تصدير النفط وجذب الاستثمارات.
وقدّرت مصادر أمنية عدد المواقع التي تعرضت للقصف بنحو 10 مقرات، توزعت بين البصرة وواسط وكركوك وديالى وكربلاء وسهل نينوى، الذي تعرض، بحسب المصادر، إلى أعنف الهجمات، على خلفية اتهامات لجماعات موجودة هناك بقصف أربيل والقنصلية الأميركية، وفق ما أعلنته حكومة إقليم كردستان.
وقال الحشد الشعبي في بيان إن «الحصيلة غير النهائية للهجمات الإرهابية التي شنها العدوان الأميركي-السعودي المشترك، والتي استهدفت عدداً من مقار هيئة الحشد الشعبي الرسمية في عدد من المحافظات العراقية، أسفرت عن استشهاد ما لا يقل عن (20) مجاهداً، وأُصيب (32) آخرون».
واشنطن والرياض: ضربات دفاعية
وقالت القيادة المركزية الأميركية، في منشور عبر حسابها الرسمي على منصة «إكس»، إن «الضربات الدقيقة في العراق استهدفت إرهابيين كان الحرس الثوري الإيراني قد وجّههم لمهاجمة القوات الأميركية والبنية التحتية للطاقة في السعودية».
وأضافت القيادة أن «طائرات مقاتلة أميركية وسعودية شنت غارات على مواقع لوجستية ومواقع أسلحة متعددة تابعة للإرهابيين في أنحاء شرق العراق»، داعية الحرس الثوري الإيراني ووكلاءه الإرهابيين إلى «وقف هذه الهجمات لتجنب المزيد من الرد العسكري الأميركي».
وأوضح اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية، في بيان، أن الضربات جاءت انطلاقاً من «حق الدفاع عن النفس الذي يكفله القانون الدولي»، مؤكداً أن المملكة «لا تسعى إلى التصعيد، لكنها سترد على أي عدوان تتعرض له».
وكانت وزارة الدفاع السعودية قد أصدرت، يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين، بيانين بشأن اعتراض الدفاعات الجوية وتدمير طائرات مسيّرة آتية من الأراضي العراقية، حاولت استهداف منشآت بترولية في منطقتي الشرقية والرياض، مشيرة إلى أن هذه الاعتداءات نفذتها «ميليشيات إرهابية موالية لإيران».
وشددت الوزارة في البيانين على «حق السعودية الأصيل في الدفاع عن نفسها ومقدراتها»، واحتفاظها بحق الرد «في الوقت والمكان المناسبين».
بغداد تتعهد بالتحقيق.. والفصائل تشكك
وكانت بغداد قد تعهدت، في بيان صدر عقب الاتهامات السعودية الاثنين الماضي، بـ«عدم السماح باستخدام الأراضي العراقية ممراً أو منطلقاً لأي اعتداء يستهدف الدول الشقيقة أو الصديقة»، مشيرة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت تورطه، وفقاً لما ستسفر عنه نتائج التحقيقات.
لكن مصادر قريبة من الفصائل تقول إن هذا التعهد لم يبدد الشكوك داخل الجماعات المسلحة، التي ترى أن الاتهامات السعودية لم تُدعَم، حتى الآن، بأدلة عراقية معلنة.
وسبق أن كشفت (المدى)، في تقرير نُشر مطلع تموز، أن السلطات تتابع تحركات مجموعة محددة من الفصائل، يتراوح عددها بين 7 و10 تنظيمات، يُعتقد أنها ترتبط مباشرة بالحرس الثوري الإيراني.
وتجري تحقيقات غير معلنة لمعرفة ما إذا كانت بعض هذه الفصائل قد شاركت بالفعل في هجمات استهدفت مواقع وقواعد أميركية في البحرين والكويت والأردن.
وتقول المصادر إن المعلومات «لم تصل إلى مرحلة التأكيد، لكن القلق يكفي».
ولم تستبعد المصادر انخراط هذه الجماعات، التي باتت توصف في الأوساط العراقية بأنها تابعة للحرس الثوري الإيراني، في هجمات أوسع إذا واصلت واشنطن استهداف مواقع إيرانية.
ووفق تلك المصادر، فإن «كل ضربة أميركية جديدة ضد إيران قد تدفع هذه الفصائل إلى الانتقال من مرحلة المراقبة إلى مرحلة الاشتباك، الأمر الذي يهدد بإعادة العراق إلى قلب المواجهة في المنطقة».
طهران و«الخلايا الأوكرانية»
وعلمت (المدى) من مصادر مطلعة أن إيران ضغطت لمنع بغداد من إعلان أسماء الفصائل التي تورطت في عمليات قصف طالت إقليم كردستان وخارج الحدود، بعدما كانت السلطات العراقية قريبة من كشف تلك الأسماء.
وتضيف المصادر أن مسؤولين رفيعين في القرار الأمني حاولوا البحث عن جهات أخرى لتحميلها مسؤولية تلك الحوادث، مع الإشارة، بصورة غامضة، إلى وجود «خلايا أوكرانية» واعتقال عدد من عناصرها في العراق.
وتقول المصادر إن هذه التطورات وضعت الحكومة أمام معادلة شديدة التعقيد: فمن جهة، هناك التزامات عراقية بمنع استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات على دول الجوار، ومن جهة أخرى، تواجه الحكومة ضغوطاً من الفصائل لوقف إجراءات حصر السلاح، في وقت باتت فيه أراضي البلاد ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
السعودية لم تستهدف العراق!
ويرى أحمد الياسري، رئيس المركز العربي-الأسترالي للدراسات الاستراتيجية، أن ما حدث يأتي «داخل السياق الأميركي»، موضحاً أن «السعودية لم تستهدف العراق بشكل مباشر ولم تعلن الحرب على العراق»، وأن العملية «تشبه عمليات الردع التي قامت بها السعودية لضرب مطار صنعاء مؤخراً».
ويقول الياسري لـ(المدى) إن السعودية حاولت قدر الإمكان «ألا تعطي مبررات لإسرائيل تجعل العرب ضمن صفها»، لكن استمرار الهجمات الإيرانية على الدول العربية «أحرج الحكومات العربية»، وكان الإحراج الأكبر، بحسب رأيه، نتيجة توقف جزء من صادرات النفط.
ويضيف أن السعودية لديها مشكلة مع الفصائل منذ عام 2019، وتحديداً منذ هجوم على شركة أرامكو، الذي أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنه، لكن المخابرات السعودية كانت، بحسب الياسري، متأكدة من أن الطائرات التي نفذت القصف جاءت من جنوب العراق، وهو ما أثار ضجة في حينه.
ويتابع: «هم يشعرون بخطر وجود هذه الفصائل منذ تلك اللحظة».
وكانت تقارير غربية قالت آنذاك إن وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو أطلع رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي على صور من الأقمار الصناعية تؤكد انطلاق الطائرات التي قصفت المملكة من منطقة جرف الصخر، التي تسيطر عليها «كتائب حزب الله».
وترفض الفصائل أي تقارب مع الخليج، وخاصة السعودية، كما أنها منعت، بحسب مصادر، خلال حكومة محمد السوداني، استثمارات تصل إلى 100 مليار دولار مع السعودية ودول أخرى، تلبية لمطالب إيرانية.
«الجغرافيا» السعودية تفتح جبهات متعددة
ويقول الياسري إن السعودية «لديها مشكلة جغرافية»، موضحاً أنه رغم إمكاناتها العسكرية الكبيرة، فإنها «لا تستطيع أن تحمي كل مقدراتها جغرافياً بسبب اتساع مساحة البلاد»، وإن تأمين المناطق البحرية والبرية «صعب جداً».
ويضيف أن السعودية تشعر بأنها «فتحت عليها جبهات من اتجاهات مختلفة»، ولذلك تحاول إرسال رسائل إلى إيران مفادها: «إننا جاهزون للرد»، لكن من دون الدخول في حرب مباشرة مع طهران.
ويشرح أن التفكير السعودي يقوم على «عمليات استباقية لغرض الدفاع عن النفس»، معتبراً أن استهداف مواقع الحشد «هو من أنواع الاستراتيجية الدفاعية السعودية».
لكن الياسري يرى أن العراق ينظر إلى العملية بوصفها «استغلالاً وانتهاكاً مباشراً للسيادة»، لم يحدث، بحسب قوله، منذ عام 1991، نهاية الحرب بين العراق والسعودية والكويت، معتبراً أن ذلك «أمر مفاجئ ومخالف لقواعد الاتفاق بين الطرفين»، بحسب وجهة نظر بغداد.
ويعتقد أن القصف السعودي «أحرج الزيدي»، لكنه في الوقت نفسه «أعطى مبررات لبعض الفصائل لكي تحاول التمرد على الزيدي».
ويحذر من أن «الاستهدافات الأميركية والسعودية متوقعة»، وأن دولاً أخرى قد تستهدف مواقع أخرى داخل العراق، لأن «قرار الدولة ليس موحداً وليس مركزياً».
ويقول إن الخطر يكمن في وجود «ثنائيات أمنية» قد تحول العراق إلى «بلد مفتوح يُستهدف من كل الاتجاهات»، معتبراً أن ما يحدث هو ارتدادات للحرب التي اندلعت في شباط ضد إيران.
ويخلص الياسري إلى أن الرد على الاستهدافات السعودية والأميركية يجب أن يكون عبر «تنظيم الداخل العراقي»، و«إكمال إجراءات الزيدي وحصر السلاح بيد الدولة وحصر قرار الدولة الأمني بيد الدولة».
ويتساءل: «ما قيمة حصر السلاح إذا كانت فصائل تعبث بالأمن القومي العراقي وتحاول أن تدخلنا في مشاكل أخرى؟».
ويضيف: «الهجوم لم يكن مستبعداً ولن يبقى مستبعداً».
الفصائل تتحمل مسؤولية التصعيد
في المقابل، يرى الدبلوماسي السابق غازي فيصل أن الهجمات الجوية السعودية والأميركية على مقرات لقيادات الحشد الشعبي أو الفصائل جاءت في سياق مواجهة مستمرة.
ويقول فيصل لـ(المدى) إن «هذه الفصائل هي في حالة مواجهة مستمرة، معلنة من قبل قيادات الفصائل، ضد الأردن والسعودية والكويت وباقي الخليج، وقامت بقصف مستمر ودوري لمواقع مختلفة في هذه الدول».
ويضيف أن هذه الفصائل المتحالفة مع الحرس الثوري «تقوم يومياً بقصف القنصلية الأميركية في أربيل ومطار أربيل وحقل كورمور، وقصف مخيمات اللاجئين الإيرانيين الأكراد، وقصف مواقع في كردستان تجاوزت 200 هجوم، كما قصفت هذه الفصائل سابقاً أكثر من 600 هدف لأميركا في العراق والمنطقة».
ويقول فيصل: «من الطبيعي أن ترد أميركا على هذه الهجمات، كما ردت سابقاً عندما قصفت مقرات وقواعد عسكرية تابعة للفصائل، في إطار المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تمنح الدول التي تتعرض لاعتداءات الحق في الرد دفاعاً عن النفس».
المصير اليمني!
ويشدد فيصل على أن المواجهة التي حصلت بين السعودية والولايات المتحدة من جهة، والفصائل من جهة أخرى، «ليست مع القوات المسلحة العراقية وليست مع الجيش وليست في مواجهة مع الحكومة العراقية».
ويضيف: «العراق رسمياً لم يقصف أي صواريخ باتجاه السعودية وبلدان الخليج العربي، وبالتالي، الفصائل التي أعلنت الحرب على أميركا ودول الخليج هي التي تتحمل مسؤولية ونتائج هذا الوضع الكارثي الذي يقود البلد إلى نتائج خطيرة جداً».
ويرى أن «التحالف مع المشروع الإيراني يضعف الفصائل في إطار المواجهة الكبرى مع أميركا وحلفائها»، وهي مواجهة مستمرة، بحسب قوله، «مثل مواجهة حزب الله اللبناني وأميركا وحلفائها، وما حصل ويستمر بين الحوثي المتحالف مع ولاية الفقيه، والذي تجهزه إيران بالصواريخ لكي يقصف المملكة العربية السعودية، وأيضاً قاد اليمن إلى كوارث سياسية واقتصادية وأمنية خطيرة».
ويقول فيصل إن هذه المواجهة «ستستمر ما دامت الفصائل مصرة على إعلان العداء والحرب على أميركا والمصالح الأميركية، ليس في العراق فقط، وإنما في المنطقة والخليج»، مستشهداً بما وصفه بأنه «بيانات معلنة عن قيادات حزب الله العراقي والنجباء».
لكنه يلفت إلى وجود فارق بين هذه التنظيمات المسلحة وبين عدد من التنظيمات الأخرى داخل الحشد الشعبي، التي «تلتزم بعدم المشاركة في عمليات عسكرية ضد أميركا والدول العربية».

التعليقات معطلة.