الخوف من الجواب

1

سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».

تخيّل جنابك (من خيال) لو أن هذه الأمة بقيت كما تركها لنا الاستعمار، ولم نحاول إمدادها بالمجد والعزة والكرامة. خصوصاً الأخيرة. تخيّل لو أن «منظمة التحرير» لم تحاول الاستيلاء على السلطة في الأردن، ولا في لبنان. وبالتالي، لم يُرغم الفلسطينيون على مغادرة الأردن ولبنان. تخيّل.

وتخيّل لو أن صدام حسين انصرف إلى تطوير وتحديث دولة العراق كما بدأ، بدل أن يشن حرباً دامت ثماني سنوات على إيران، ثم يحتل الكويت، ثم يخوض حرباً بالواسطة مع سوريا.

وتخيل لو أن حافظ الأسد استمر في مشروعه الأولي في علاقات سوية مع العراقيين واللبنانيين والفلسطينيين، بدل أن يعاملهم كأزلام. تخيّل.

وتخيّل لو أن الحرب الأهلية في لبنان لم تترك 150 ألف قتيل و200 ألف مصاب و800 ألف مشرد. وتخيّل لو أن صدام حسين وحافظ الأسد حاولا تقليد المستشار الألماني كونراد إديناور الماثل أمامهما بدل صلاح الدين مرة واحدة. وتخيّل ثروات ليبيا تصرف في صنع الأنهار العظيمة بدل الزحف على تشاد.

وتخيّل أن 1967 لم تمر على مصر. ولا على أحد. وتخيّل لو أن الجيوش العربية حفظت واجبها وحافظت على قسمها وشرفها العسكري ولم تبدد الأرزاق وتهدد الثروات وتحول المنطقة ملهاة بشرية هازلة وأليمة.

ماذا لو أن الحكام الذين أعقبوا الاستعمار لم يصروا على البطولة الكبرى، وإنما على إنجازات عادية متواضعة مثل التعليم والصناعة والزراعة والكفاية. ماذا لو قلدنا فنلندا وكندا وكوستاريكا، التي لا جيش لها، بل شرطة محلية.

أين ضاعت كل تلك السنين، وكل تلك الثروات، وكل تلك الأعمار. صار السؤال عدماً لكثرة ما طرح وتكرر، بحيث أصبحت الجريمة في الجواب.

التعليقات معطلة.