ما وراء الضربة الأمريكية السعودية… المعركة الحقيقية كانت على 30 أيلول

2

 

 

كل من يعتقد أن الضربة الأخيرة كانت مجرد رد عسكري على هجومٍ عسكري، فإنه يقرأ الحدث بعين الميدان لا بعين السياسة. فالحروب الكبرى لا تُدار بالصواريخ وحدها، بل تُدار أيضا بإدارة التوقيت، واختيار لحظة الانفجار، وتغيير مسار الأحداث. وما جرى لم يكن معركة على مقر هنا أو قاعدة هناك، بل كان في جوهره صراعا على استحقاق سياسي بالغ الأهمية اسمه “30 أيلول”.

فذلك التاريخ لم يكن مجرد موعد على التقويم، بل كان يمثل نقطة تحول في المشهد العراقي، حيث تتقاطع تعهدات الحكومة العراقية بشأن حصر السلاح بيد الدولة مع مستقبل الوجود العسكري الأمريكي. ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من أطلق الصاروخ ؟ بل: من كان يريد منع العراق من الوصول إلى ذلك التاريخ وفق المعادلة التي كانت مرسومة له؟

هذا هو السؤال الذي غاب عن معظم التحليلات السياسية التي تابعت التصعيد الأخير. فقد انشغلت بالضربة العسكرية، وبالرد عليها، وبحجم الخسائر، بينما بقيت أسيرة الحدث العسكري، ولم تحاول البحث في المنطق الاستراتيجي الذي يقف خلف توقيت التصعيد.

إن قراءة المشهد من زاوية المصالح تفتح بابا مختلفا للفهم. فاستحقاق الثلاثين من أيلول لم يكن موعدا عاديا، بل كان يمثل محطة مفصلية في مسار الدولة العراقية، لأن نجاح الحكومة في تنفيذ تعهداتها المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع ترتيبات تخص الوجود العسكري الأمريكي، كان من شأنه أن يفتح الباب أمام معادلة سياسية وأمنية جديدة.

وهنا، تبرز أهمية التوقيت.

فإذا كان الوصول إلى ذلك الاستحقاق يهدد مصالح طهران التي ترى في بقاء الفصائل المسلحة ورقة نفوذ أساسية، فإن منطق الصراع يقتضي السعي إلى تعطيل المسار قبل أن يبلغ لحظة الحسم، لا بعده. ومن هذا المنظور، يمكن تفسير التصعيد الأخير بوصفه محاولة لخلط الأوراق وخلق واقع أمني جديد يجعل تنفيذ تلك الاستحقاقات أكثر تعقيدا.

وبالفعل، وجد رئيس الوزراء نفسه أمام معادلة شديدة الصعوبة. فالتصعيد الأمني يجعل أي خطوة باتجاه حصر السلاح أكثر حساسية وكلفة، وفي الوقت نفسه يجعل أي ترتيبات تتعلق بالوجود العسكري الأمريكي أكثر تعقيدا، لأن البيئة الأمنية التي كان يُفترض أن تُبنى عليها تلك الترتيبات قد تبدلت.

لكن ما جرى لم يمر دون رد.

ان تصريح للرئيس الأمريكي ترامب أن الضربة جاءت بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية وبعلم الحكومة العراقية، فإن الرسالة السياسية تتجاوز بكثير حدود العملية العسكرية. فهي تعني أن واشنطن أرادت أن تقول إن التصعيد لن يسمح بإسقاط الاستحقاقات السياسية أو فرض قواعد جديدة بالقوة، وإن محاولة تغيير مسار الأحداث قبل الثلاثين من أيلول لن تمر دون رد.

وهكذا، دخلت جميع الأطراف في معادلة أكثر تعقيدا.

فالحكومة العراقية أصبحت أمام استحقاقات أصعب من ذي قبل، والولايات المتحدة باتت أقل قدرة على التعامل مع ملف الوجود العسكري وفق المسار السابق إذا استمر التصعيد، بينما بقيت الفصائل المسلحة عنصرا فاعلًا في قلب الأزمة، وهو ما يجعل المشهد أكثر تشابكا. ان السؤال الحقيقي ليس: من أطلق الصاروخ ؟ بل: من استفاد من تغيير توقيت الأحداث؟

ولعل الفترة المقبلة ستكشف أن أخطر ما في هذه الأزمة لم يكن الضربة العسكرية بحد ذاتها، بل الصراع على الزمن السياسي. 

وفي الشرق الأوسط، لا ينتصر دائما من يمتلك السلاح الأقوى، بل من ينجح في فرض توقيت المعركة، وإعادة تشكيل الأولويات، وإجبار خصومه على القتال وفق قواعد جديدة.

لذلك، قد لا يكون من المبالغة القول إن المعركة الحقيقية لم تكن على مقرات الحشد الشعبي، بل على مستقبل العراق بعد الثلاثين من أيلول. فهناك لحظات في التاريخ لا تُحسم فيها الدول بالسلاح وحده، بل تُحسم بالقدرة على منع خصومها من الوصول إلى لحظة التغيير.

ولعل هذا هو المفتاح الحقيقي لفهم ما جرى.

التعليقات معطلة.