من يريد الدفاع عن مشروع إيران، فليذهب إليها.
لم يعد العراق يحتمل حربا جديدة، ولا يحتمل أن يبقى صندوق بريد للرسائل العسكرية، ولا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية. فقد دفع العراقيون، على مدى أكثر من أربعة عقود، ثمن حروب لم يصنعوها، وصراعات لم تكن في معظمها من أجل مصالحهم الوطنية.
اليوم يقف العراق على حافة مرحلة شديدة الخطورة. فكل رصاصة تُطلق خارج قرار الدولة، وكل صاروخ ينطلق باسم “المقاومة” أو “المحور”، لا يهدد خصومه فقط، بل يهدد أولًا أمن العراق واستقراره ومستقبل أبنائه. إن أي مواجهة جديدة ستجعل المدن العراقية ساحات للنيران، وسيكون العراقيون هم أول الضحايا، كما كانوا دائمًا.
لقد أصبح من الضروري أن تُقال الحقيقة بلا مجاملة: لا أحد يملك حق جرّ أكثر من أربعين مليون عراقي إلى حرب خدمةً لمشروع سياسي أو عقائدي يتجاوز حدود العراق. فمن يريد الدفاع عن إيران، أو عن أي دولة أخرى، فليذهب إلى تلك الدولة ويحمل السلاح دفاعًا عنها. أما العراق، فليس وطنا مستعارا لتصفية الحسابات، وليس شعبه وقودا لحروب الآخرين.
إن الوطنية لا تُقاس بحجم الشعارات، بل بحجم الحرص على دماء الناس. ومن يدّعي الدفاع عن العراق بينما يورطه في مواجهة لا قرار للدولة فيها، إنما يضع مصلحة المشروع فوق مصلحة الوطن، ويجعل العراق يدفع فاتورة لا علاقة له بها.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي سمحت بتعدد مراكز القرار انتهت إلى الفوضى والانهيار. ولا يمكن بناء دولة قوية ما دام قرار الحرب والسلم موزعا بين جهات متعددة، أو مرتبطا بحسابات خارج الحدود. إن احتكار الدولة للسلاح ليس مطلبا سياسيا فحسب، بل شرط لبقاء العراق دولةً ذات سيادة.
قد يختلف العراقيون في السياسة، وفي شكل الحكومات، وفي البرامج الاقتصادية، لكنهم يجب أن يتفقوا على حقيقة واحدة: العراق أولًا. فلا قيمة لأي مشروع إذا كان ثمنه خراب المدن، ويتم الأطفال، ونزوح العائلات، وانهيار الاقتصاد، وضياع المستقبل.
إن هذه اللحظة تفرض على النخب السياسية والثقافية والدينية أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية. فالصمت لم يعد حيادا، بل أصبح مشاركة في دفع البلاد نحو المجهول. ومن حق الشعب العراقي أن يسأل كل من يدعو إلى التصعيد: هل أنتم مستعدون أن تتحملوا أنتم وعائلاتكم نتائج هذه الحرب، أم أن العراقيين وحدهم سيدفعون الثمن مرة أخرى؟
إن العراق لا يحتاج إلى أبطال حروب، بل إلى رجال دولة. لا يحتاج إلى مزيد من البنادق، بل إلى مزيد من المدارس والمستشفيات والمصانع والجامعات. ولا يحتاج إلى شعارات تعبئة، بل إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة ويصون كرامة المواطن.
لقد تعب العراقيون من أن يكون وطنهم ساحة لتصفية الحسابات. وتعبوا من أن تُختطف إرادتهم باسم قضايا لا تنتهي. واليوم، يجب أن يكون الصوت واضحا وحاسما:
العراق ليس خندقا للدفاع عن أي مشروع خارجي، وليس جبهة متقدمة لأي دولة، وليس ساحة حرب بالوكالة.
ومن يريد الدفاع عن مشروع إيران، أو عن أي مشروع آخر، فليذهب إلى أصحابه ويدافع عنه هناك. أما العراق، فقد آن له أن يدافع عن نفسه فقط، وعن شعبه فقط، وعن مستقبله فقط.
هذه ليست دعوة للعداء مع أحد، بل دعوة لإنقاذ وطن. فالأوطان تُبنى بالسيادة، وتُحمى بقرارها الوطني المستقل، ويصونها شعب يرفض أن يكون وقودا لحروب الآخرين.
لقد دفع العراق ما يكفي من الدم… وليس من حق أحد أن يطلب منه أن يدفع أكثر.

