الثامن من آب ١٩٨٨…. اليوم الذي كسر فيه العراق معادلة الشرق الأوسط التي سادت لعقود

3

 

 

هناك أيامٌ تنتهي بانتهاء أحداثها، وهناك أيامٌ يبدأ فيها التاريخ الحقيقي بعد انقضائها. ومن هذا النوع كان الثامن من آب ١٩٨٨ ؛ فلم يكن مجرد يوم توقفت فيه الحرب العراقية الإيرانية، بل اليوم الذي دخلت فيه المنطقة مرحلة جديدة من الصراع على نتائج تلك الحرب، بعد أن خرج العراق منها محتفظا بدولته وجيشه وقدرته على التأثير في معادلات الإقليم.

في كل عام، يعود هذا التاريخ محملًا بذكريات حرب السنوات الثماني، وتعود معه الأسئلة ذاتها: لماذا اندلعت الحرب ؟ ومن انتصر؟ ومن خسر؟ غير أن هذه الأسئلة، على أهميتها، لم تعد تكفي لفهم ما جرى. فالحروب لا تُقاس فقط بما يحدث في ميادين القتال، وإنما بما تتركه من آثار في موازين القوى ومسارات التاريخ.

أكتب هذه السطور بوصفي أحد الذين شاركوا في تلك الحرب دفاعا عن وطني ، ولذلك لا أريد أن أضيف رواية جديدة إلى ما كتبه المؤرخون والعسكريين ، بل أن أتأمل ما بدأ بعد أن صمتت المدافع. فالتاريخ، في كثير من الأحيان، يبدأ بعد انتهاء الحروب، لا أثناءها.

ومن هنا تنطلق الفرضية

 التي يقوم عليها هذا المقال: 

قامت تلك المعادلة، في أحد أبرز أبعادها، على وجود قوتين إقليميتين غير عربيتين تمثلان قطبي الضغط على المشرق العربي: إيران في شرقه وإسرائيل في غربه. وبين هذين القطبين ظل العراق يشكل، بحكم موقعه وقدراته، عنصر التوازن العربي الأهم. ومن هنا، فإن صموده في حرب السنوات الثماني لم يكن مجرد حدث عسكري، بل متغيرا استراتيجيا هزّ تلك المعادلة وفتح الباب أمام صراع طويل لإعادة إنتاجها بصورة مختلفة.

فقبل ذلك اليوم، كانت المنطقة محكومة بتوازنات إقليمية ودولية استقرت عبر سنوات طويلة، وتبدلت أدواتها أكثر من مرة، لكن بنيتها العامة بقيت قائمة. غير أن انتهاء الحرب والعراق ما يزال محتفظا بدولته ومؤسساته وجيشه، أوجد واقعا جديدا لم يكن كثيرون يتوقعونه وجاءت نتائج الحرب على عكس التوقعات والحسابات الدولية على الرغم من طول سنواتها، وطرحت أسئلة جديدة حول مستقبل ميزان القوى في الشرق الأوسط.

إن ما جرى بعد عام ١٩٨٨ بوصفه سلسلة من الأحداث المنفصلة غير دقيق ، بل باعتباره مسارا تاريخيا مترابطا. فمن أزمة الكويت، إلى حرب الخليج، إلى سنوات الحصار الطويلة، ثم احتلال العراق عام ٢٠٠٣، وما أعقبه من حل الجيش وتفكيك مؤسسات الدولة، تبدو هذه المحطات، رغم اختلاف ظروفها لكنها حلقات مترابطة في عملية تاريخية أعادت رسم موقع العراق في الإقليم وإعادة المعادلة الى سابق عهدها وبشكل أكثر احكاما وأكثر بشاعة .

لقد كان قرار حل الجيش العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة من أكثر القرارات تأثيرا في تاريخ العراق الحديث. فلم يؤد إلى إنهاء مؤسسة عسكرية فحسب، بل أزال أحد أهم عناصر التوازن التي كانت تستند إليها الدولة. وعندما تفقد الدولة قدرتها على احتكار القوة، تبدأ قوى أخرى بملء الفراغ، وتتغير طبيعة التوازنات الداخلية والإقليمية معا.

ومن هنا، فإن اتساع النفوذ الإيراني بعد عام ٢٠٠٣ لا يمكن فهمه بمعزل عن البيئة التي نشأت بعد انهيار مؤسسات الدولة العراقية. فالنفوذ، أيا كان مصدره، لا ينمو في الفراغ، وإنما يجد طريقه عندما تضعف الدولة أو تتفكك بنيتها.

إن هذه القراءة لا تعفي أحدا من مسؤوليته، ولا تزعم أن التاريخ يسير وفق مخطط واحد، فالدول تتحرك وفق مصالحها، والقوى الكبرى تعيد حساباتها باستمرار، كما أن القرارات التي اتخذتها القيادات العراقية في مراحل مختلفة كان لها أثر بالغ في رسم هذا المسار. لكن قراءة التاريخ تقتضي النظر إلى الصورة الكاملة، وليس إلى كل حدث بمعزل عن الآخر.

 أن حرب السنوات الثماني لم تحسم مستقبل المنطقة، وإنما صنعت مسارا جديدا من التفاعلات السياسية والعسكرية والاستراتيجية، انتهى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط بصورة مختلفة عما كان عليه قبل الثامن من آب ١٩٨٨ .

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: من انتصر في الحرب العراقية الإيرانية؟ فهذا سؤال سيظل محل نقاش بين المؤرخين والعسكريين.

أما السؤال الأكثر أهمية فهو: ماذا فعلت نتائج تلك الحرب بالعراق وبالشرق الأوسط ؟ وهل كان الثامن من آب نهايةً لحرب، أم بدايةً لصراع طويل على شكل المنطقة وتوازناتها ؟

إن كثيرا من أحداث العقود اللاحقة ليوم ٨ /٨ لا تبدو وقائع متفرقة، بل حلقات في مسار تاريخي واحد، بدأ يوم اختلت معادلة الشرق الأوسط التي سادت لعقود، ثم استمر حتى استقرت المنطقة على توازنات جديدة ما زلنا نعيش آثارها السياسية والأمنية والاستراتيجية.

لقد توقفت الحرب بقرار لوقف إطلاق النار، لكن الصراع على نتائجها لم يتوقف. وربما لم يكن أخطر ما في حرب السنوات الثماني ما جرى بين عامي ١٩٨٠ و ١٩٨٨ ، بل ما جرى بعدها.

ولعل هذا هو الدرس الأعمق الذي يقدمه الثامن من آب.

التعليقات معطلة.