أخطر السيناريوهات: هل تلوح في الأفق حرب بين تركيا وإسرائيل؟

2



لا تزال العلاقات التجارية والاقتصادية مستمرة لكن أي قرار بالتصعيد العسكري قد ينقل البلدين من الشراكة الاقتصادية إلى المواجهة العسكرية

وليد فارس الأمين العام للمجموعة الأطلسية النيابية

العلمان التركي والإسرائيلي (رويترز)

ملخص

منذ اندلاع حرب غزة، بل وحتى قبلها، وجه الرئيس رجب طيب أردوغان انتقادات حادة لإسرائيل وحكومتها، متهماً إياها بارتكاب “مجازر جماعية” في القطاع. وقد رفضت إسرائيل هذه الاتهامات، وردت بأن أنقرة لم تُدن بصورة جدية هجوم حركة “حماس” في السابع من أكتوبر. واستمرت السجالات السياسية بين تركيا وإسرائيل على مدى ثلاث سنوات، لكنها تصاعدت بصورة ملحوظة بعد تغيير النظام في سوريا.

حتى الآن، لم يناقش سوى عدد قليل من الباحثين والمراقبين احتمال اندلاع حرب بين تركيا وإسرائيل، رغم أن قادة البلدين ذهبوا بعيداً في تبادل الاتهامات بشأن احتمال نشوب مثل هذا الصراع، الأمر الذي يدفع المراقبين والمحللين إلى دراسة هذا الاحتمال واستشراف تداعياته المبكرة إذا ما انفجر بالفعل.

ومع ذلك، ثمة فارق جوهري بين التهديد بالحرب واندلاع مواجهة عسكرية فعلية، وكلا البلدين يدرك هذا الفرق جيداً. لكن التصاعد المستمر في التوتر بين هاتين القوتين المتوسطتين يحمل من الأخطار ما يجعله تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار الإقليميين، الأمر الذي يستوجب تحليله بجدية، ليس فقط لإطلاع الرأي العام على أبعاده، بل أيضاً لحث القوى الدولية، وفي مقدمها الدول الغربية، على العمل لمنع وقوعه قبل فوات الأوان.

تتعالى الأصوات في البلدين محذرة من اقتراب مواجهة عسكرية على أكثر من جبهة، في وقت تشهد المنطقة تحولات متسارعة في محاورها الإقليمية، بما في ذلك تغيرات في موقف الإدارة الأميركية. غير أن التدهور في العلاقات التركية-الإسرائيلية لم يبدأ اليوم، بل يعود إلى أعوام طويلة، بل إن جذور الخلاف الراهن تمتد إلى عقود مضت.

فقد انتُخب بنيامين نتنياهو رئيساً لوزراء إسرائيل عام 1996 على رأس حكومة يقودها حزب الليكود، حاملاً برنامجاً يقوم على هدفين متوازيين: مواجهة صعود حركة “حماس”، والعمل في الوقت ذاته على توسيع دائرة اتفاقيات السلام مع الدول العربية.

ثم جاءت هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول)، لتطلق الولايات المتحدة حملة عالمية واسعة ضد الإرهاب، أعادت رسم ملامح النظام الدولي.

وبعد عام واحد فقط، فاز حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي بزعامة رجب طيب أردوغان في الانتخابات التركية، ليبقى في السلطة لعقود لاحقة.

ومنذ ذلك الحين، بدأت كل من إسرائيل، بوصفها الدولة اليهودية، وتركيا التي أصبحت تُحكم من قبل حزب ذي مرجعية إسلامية داخل دولة علمانية، في رسم استراتيجيات بعيدة المدى، كانت في ظاهرها مستقلة، لكنها حملت في جوهرها عوامل صدام أيديولوجي واستراتيجي وصراع على القيادة الإقليمية.

إلا أن كلا الطرفين اضطر في البداية إلى التركيز على تحدياته المباشرة.

فتركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، بدأت تدريجاً بالانتقال من النهج الكمالي العلماني المتشدد إلى سياسات ذات طابع إسلامي، ليس فقط على المستوى الداخلي، وإنما أيضاً في سياستها الخارجية. وفي الوقت ذاته، ظل اقتصادها يوفر مزايا مهمة لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل.

أما إسرائيل، فقد واصلت على مدى الأعوام تعزيز شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن، سواء على الصعيد العسكري أو السياسي، بينما كانت تركيا تبني بدورها علاقة خاصة مع الولايات المتحدة، ولكن وفق مسار مختلف.

ومع مرور الوقت، بدأت أنقرة مشروعها للتوسع الإقليمي، فأسست وجوداً عسكرياً في غرب ليبيا، وعززت نفوذها في منطقة القرن الأفريقي، ثم دعمت الفصائل الإسلامية المسلحة في شمال سوريا.

وفي المقابل، تحركت إسرائيل بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) نحو قطاع غزة، حيث احتفظت بسيطرتها على الجزء الشرقي من القطاع، كما نفذت عدة عمليات عسكرية داخل جنوب لبنان لمواجهة “حزب الله”.

لكن الساحة التي وضعت تركيا وإسرائيل في مسار مواجهة مباشرة كانت سوريا. فقد أمضت أنقرة أعواماً وهي تُعد لعملية تغيير النظام في دمشق، ويبدو أن ذلك جرى، إلى حد ما، في ظل قبول أو تغاض غربي غير معلن.


ومن خلال محافظة إدلب، دعمت الحكومة التركية وجمعت فصيلين إسلاميين رئيسين: الأول كان “جبهة النصرة”، والثاني تمثل في الفصائل المنتشرة على طول الحدود الشمالية مع سوريا، والتي كانت تخضع بصورة مباشرة لإشراف الأجهزة الأمنية التركية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025، تحركت هاتان القوتان باتجاه مدينة حلب، قبل أن تواصلا تقدمهما نحو دمشق، حيث أُطيح بنظام بشار الأسد، مستفيدتين من نافذة سياسية نشأت في واشنطن خلال الفترة الانتقالية بين مغادرة إدارة جو بايدن ووصول إدارة دونالد ترمب.

ومع تنصيب الرئيس أحمد الشرع رئيساً لسوريا، تحولت تركيا بين ليلة وضحاها إلى واحدة من أبرز القوى الإقليمية. فبفضل عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وامتلاكها منظومات تسليح أميركية، تضاعف النفوذ الإقليمي للرئيس رجب طيب أردوغان بعد سقوط نظام الأسد.

وبات حلفاء أنقرة العسكريون يقفون على مشارف هضبة الجولان، وعلى الحدود الأردنية، وفي مواجهة جنوب لبنان.

هذا التوسع السريع جنوباً منح تركيا قدرة أكبر على التأثير في معادلات الطاقة بشرق البحر المتوسط. فمن خلال حلفائها في دمشق، أصبحت تملك منفذاً إلى الساحل السوري، وإلى منطقة اقتصادية بحرية تحوي احتياطات غاز تقدر بمئات المليارات من الدولارات.

لكن الأهم من ذلك أن التوسع التركي، بقيادة حزب “العدالة والتنمية”، أعاد رسم معادلات جيوسياسية عسكرية لم يشهدها المشرق العربي منذ عام 1914، مع اندلاع الحرب العالمية الأولى.

فالجيش العربي السوري أصبح عملياً يعمل تحت مظلة الاستخبارات العسكرية التركية، بينما بات حكم الشرع، وقواته والفصائل المتحالفة معه، يتلقون التوجيه الاستراتيجي من أنقرة.

وبالمعنى العملي، أصبحت تركيا تسيطر بصورة مباشرة على شمال سوريا وساحلها، كما توسع وجودها العسكري داخل ما يمكن وصفه بـ”الجمهورية الإسلامية” الجديدة، من الحدود العراقية وصولاً إلى لبنان، عبر منظومات تسليح متطورة، من بينها أنظمة دفاع جوي منتشرة في أنحاء مختلفة من البلاد.

ومن بين جميع التحولات التي شهدتها الساحة السورية، هناك ثلاثة تطورات تثير القلق الإسرائيلي بصورة خاصة.

أولها، التقدم التركي نحو الحدود العراقية والأردنية، وهو ما قد يشكل، على المدى البعيد، قاعدة لانطلاق نفوذ أنقرة نحو شبه الجزيرة العربية.

وثانيها، احتمال تمدد النفوذ التركي إلى شمال لبنان، لا سيما إلى مدينة طرابلس ذات الغالبية السنية، شمال جبل لبنان.

77.jpg
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال اجتماعهما في أنقرة (أ ب)​​​​​​​


وبذلك، يبدو أن منطقة الهلال الخصيب بأسرها تتجه تدريجاً إلى الوقوع تحت مظلة نفوذ ما بعد العثمانية، على تماس مباشر مع المجال الجوي الإسرائيلي. ولذلك تحركت وزارة الدفاع الإسرائيلية منذ العام الماضي لرسم خط أحمر جنوب دمشق، بهدف منع القيادة السورية الجديدة من الاقتراب من هضبة الجولان أو التمركز بالقرب منها.

وبعد الهجمات التي استهدفت أبناء الطائفة الدرزية في يوليو (تموز) 2026، ونُسبت إلى ميليشيات متطرفة، أصدر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أوامر بقصف مبنى وزارة الدفاع والقصر الرئاسي في وسط دمشق، في رسالة واضحة تحذر من أي تقدم جنوباً باتجاه الخطوط الإسرائيلية.

وعلى أرض الواقع، أنشأت إسرائيل منطقة أمنية في جنوب سوريا تمتد من جبل الشيخ إلى السويداء، وهي مساحة تكاد تعادل مساحة لبنان، وتشكل حزاماً دفاعياً داخل الأراضي السورية يهدف إلى منع أي تمدد تركي نحو العاصمة دمشق.

وعملياً، أصبحت خطوط النفوذ غير المعلنة بين تركيا وإسرائيل في سوريا تتمثل في منطقتين واضحتين: شمال دمشق وجنوبها، إضافة إلى خط آخر يمتد شمال مدينة طرابلس في لبنان، يقابله الخط الإسرائيلي جنوب نهر الليطاني.

ومع ذلك، فإن المنطقة الواقعة تحت النفوذ التركي في سوريا ولبنان مجتمعتين تفوق، بمراحل، مساحة المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل في جنوب سوريا.

وعند النظر إلى الخرائط، يبدو أن مناطق النفوذ المتقابلة تقترب تدريجاً من بعضها البعض، وإن كان ذلك يتم بخطوات صغيرة ومتأنية. لكن يبقى السؤال: لماذا بدأ الحديث اليوم عن احتمال اندلاع حرب بين تركيا وإسرائيل؟

من أنقرة إلى طهران
منذ اندلاع حرب غزة، بل وحتى قبلها، وجه الرئيس رجب طيب أردوغان انتقادات حادة لإسرائيل وحكومتها، متهماً إياها بارتكاب “مجازر جماعية” في القطاع. وقد رفضت إسرائيل هذه الاتهامات، وردت بأن أنقرة لم تُدن بصورة جدية هجوم حركة “حماس” في السابع من أكتوبر.

واستمرت السجالات السياسية بين تركيا وإسرائيل على مدى ثلاثة أعوام، لكنها تصاعدت بصورة ملحوظة بعد تغيير النظام في سوريا. وخلال العام الماضي، بدأ مسؤولون في الحكومة الإسرائيلية يقارنون بين تركيا وإيران من حيث مستوى التهديد الذي تمثله لإسرائيل.

وقال عدد من أعضاء الكنيست إن «إيران المقبلة هي تركيا»، وهو تصريح أثار موجة واسعة من التقييمات والتحليلات في إسرائيل وتركيا والعالم العربي.

وقبل أسابيع، شن الرئيس التركي هجوماً لاذعاً على رئيس الوزراء الإسرائيلي، ولوح باجتياح القدس وإنهاء الدولة اليهودية. ورد نتنياهو بأن إسرائيل تمتلك كل القدرات اللازمة للدفاع عن نفسها، محذراً من أن أي مغامرة عسكرية من هذا النوع ستكون كارثية بالنسبة لأنقرة.

ومع تصاعد حدة التصريحات، ارتفعت أيضاً الأصوات التي تحذر من أن شبح الحرب بات يلوح في الأفق.



تركيا تندد باعتراف إسرائيل بإبادة الأرمن وتصفه بـ”الخطوة السياسية”
لكن مصادر قريبة من الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي سعت إلى طمأنة المجتمع الدولي، مؤكدة أن ارتفاع سقف الخطاب السياسي لا يعني بالضرورة اقتراب اندلاع مواجهة عسكرية، وأن الضجيج الإعلامي لا يوازي حتى الآن تحركات ميدانية مماثلة.

ومع ذلك، يرى عدد من المحللين أن القوات التركية والإسرائيلية أصبحت تعمل في مسارح عمليات متقاربة إلى درجة غير مسبوقة، الأمر الذي يزيد من احتمال وقوع احتكاك غير محسوب.

وفي الوقت الراهن، لا تزال العلاقات التجارية والاقتصادية بين تركيا وإسرائيل مستمرة، لكن أي قرار سياسي مفاجئ بالتصعيد العسكري قد يؤدي إلى شلل كامل في تلك العلاقات، وينقل البلدين بين ليلة وضحاها من الشراكة الاقتصادية إلى المواجهة العسكرية.

وفي هذه المرحلة، لا يمكن الجزم بما إذا كانت أي من القوتين الإقليميتين ستقرر الضغط على الزناد.

بل إن الأخطار تبدو، في بعض جوانبها، أكثر تعقيداً مما كانت عليه في المواجهة مع إيران، بسبب تشابك شبكة التحالفات الإقليمية، والغموض المتزايد في الموقف الأميركي.

ففي الآونة الأخيرة، وجه الرئيس دونالد ترمب عدة انتقادات لحليفه بنيامين نتنياهو بسبب استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان.

وفي المقابل، لم يُخفِ الرئيس الأميركي إعجابه بالرئيس أردوغان، وأثنى عليه في أكثر من مناسبة، وهو ما فسره بعض المراقبين على أنه مؤشر إلى تحول نسبي في تموضع البيت الأبيض تجاه الحكومة الإسرائيلية.

ويريد ترمب، بحسب هذا التفسير، التأكيد على أن إسرائيل تبقى حليفاً مهماً، لكنها في النهاية الحليف الأصغر للولايات المتحدة، وعليها أن تراعي المصالح الاستراتيجية للحليف الأكبر.

إلا أن هذا التوجه لا يحظى بإجماع داخل الولايات المتحدة.

فعدد متزايد من أعضاء الكونغرس، إلى جانب شخصيات بارزة في الإعلام المحافظ، وقيادات عديدة في الكنائس الإنجيلية الأميركية، بدأ يعبر عن قلقه مما يعتبره ضغوطاً متزايدة تمارسها الإدارة على إسرائيل.

ومن هنا يبرز سؤال أساس: هل شعرت أنقرة بأن تصريحات الرئيس ترمب فتحت أمامها نافذة سياسية تسمح لها بزيادة الضغط على إسرائيل، تمهيداً للوصول إلى ترتيبات إقليمية جديدة تخدم مصالح الإدارة الأميركية ومصالح تركيا في آنٍ واحد؟

حسابات واشنطن… واحتمالات المواجهة
من الواضح أن إدارة الرئيس ترمب لا ترغب إطلاقاً في أن تجد نفسها أمام حرب تشمل إسرائيل قبل شهرين فقط من انتخابات التجديد النصفي. فمثل هذا التطور قد تكون له تداعيات كارثية على نتائج الانتخابات، وقد يمنح المعارضة فرصة لاستعادة السيطرة على الكونغرس.

فالقاعدة الشعبية للإدارة الأميركية تُعد في معظمها مؤيدة لإسرائيل، كما أنها تنظر بقدر كبير من الريبة إلى الحركات الإسلامية المتشددة، سواء كانت ذات مرجعية خمينية أو سلفية.

وأياً تكن ردود الفعل داخل القاعدة المحافظة، فإن مثل هذا السيناريو يحمل في طياته احتمال إحداث انقسام داخل الأغلبية المحافظة في هذه المرحلة الحساسة.

ولهذا، يمارس البيت الأبيض ضغوطاً معينة على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لكنها لا تصل إلى حد يمكن أن يُفسَّر على أنها تشجيع لمواجهة عسكرية بين تركيا وإسرائيل.

في المقابل، تدفع بعض الأصوات الإسلامية المتشددة باتجاه هذا النوع من المواجهة، ولكن بحذر نسبي، نظراً لعدم القدرة على التنبؤ بنتائجها، فضلاً عن احتمال أن تؤدي إلى انقسامات داخل تركيا نفسها.

الخلاصة
في المحصلة، يبقى خطر المواجهة بين القوتين الإقليميتين قائماً، وهو اليوم أعلى مما كان عليه في السابق، لكنه لا يزال قابلاً للاحتواء.

ويظل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، باعتباره صاحب الكلمة الفصل في المعادلة الغربية، أحد أبرز العوامل القادرة على منع الانزلاق نحو الحرب، إلى جانب الزعيمين رجب طيب أردوغان وبنيامين نتنياهو، اللذين يمتلك كل منهما القدرة على التصعيد كما يمتلك القدرة على التراجع.

ومع ذلك، فإن الشرق الأوسط أثبت مراراً أن الأحداث لا تسير دائماً وفق الحسابات السياسية، وأن حادثة ميدانية محدودة أو سوء تقدير من أحد الأطراف قد يطلق سلسلة من التطورات يصعب احتواؤها.

ولذلك، فإذا خرجت الأمور عن السيطرة، وأُطلقت شرارة الحرب، فسيكون من الضروري دراسة السيناريوهات العسكرية والجيوسياسية المحتملة، وتحليل مساراتها ونتائجها على المنطقة بأسرها.

وهذا ما سنتناوله في مقال مقبل.

التعليقات معطلة.