طباعة التريليونات التي غيّرت الاقتصاد العالمي.. وقصة استقالة وارش من “الفيدرالي”
- أميركا
“وزارة الخزانة الأميركية تصدر السندات يومي الاثنين والثلاثاء وبعدها بيومين نقوم نحن بنك الاحتياطي الفيدرالي بشرائها.. يبدو الأمر أشبه بمخطط بونزي”، هذا الحديث الذي نقله كيفن وارش مؤخراً، مر عليه أكثر من 17 عاماً على طاولة الفيدرالي الأميركي خلال الأزمة المالية العالمية، لا يزال إرثه حاضراً على السياسات النقدية لأكبر بنك مركزي في العالم.
قال وارش في مقطع فيديو حول وصفه بأنه من أنصار السياسات التيسيرية، إن استخدام ما يعرف بـ”التيسير النقدي الأول” أو “QE1” أثبت نجاحه لمدة أسبوع واحد فقط وقت الأزمة المالية العالمية، إلا أن تبنيه كسياسة دائمة للفيدرالي خاصةً في أوقات الاستقرار وطباعة تريليونات الدولارات فإن ذلك يغير كل شيء ويعطي إشارات لأعضاء الكونغرس الباقين “بما أننا نفعل ذلك فيمكنكم أنتم أيضاً استخدام نفس الأدوات”. تصريحات وارش تشير بوضوح إلى أن تاريخ التدخل السياسي أو الحزبي في سياسات الفيدرالي كان لها ما يبررها، حتى بعد الصدمة الأولى للأزمة الاقتصادية.
تصريحات وارش تأتي، في وقت يراقب العالم أول مؤتمر صحافي لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الجديد، حيث تعود إلى الواجهة تفاصيل مثيرة من سيرته المهنية، يروي فيها كيف عاش لحظة فاصلة في تاريخه الوظيفي حين اختار الاستقالة من “الفيدرالي” احتجاجاً على سياسة التيسير الكمي التي لا يزال صداها يتردد في الاقتصاد العالمي إلى اليوم.
خلال الأزمة المالية لعام 2008، عمل وارش عن قرب مع رئيس الفيدرالي حينها بن برنانكي ووزير الخزانة المستقبلي تيموثي جايثنر، وكان حلقة وصل مع وول ستريت أثناء الأزمة المالية، وكان أيضاً جزءاً من مجلس الفيدرالي الذي أطلق سياسة التيسير الكمي لدعم الاقتصاد. غير أن الرجل الذي شارك في صياغة هذه السياسة في جولتها الأولى، انقلب عليها في جولتها الثانية.
فقد استقال وارش من الفيدرالي عام 2011 بعد إعرابه عن قلقه من سياسات شراء السندات التي يتبعها البنك المركزي، ومن المخاطر طويلة المدى للتيسير الكمي، بما في ذلك التضخم. وكشفت وثائق تلك الفترة أن وارش، الذي كان أصغر حاكم في تاريخ الفيدرالي حين عيّنه الرئيس جورج بوش الابن عام 2006، وكان من أقرب مستشاري برنانكي أثناء الأزمة المالية، تحوّل إلى الحاكم الوحيد الذي يتساءل علناً عن توسعة برنامج التحفيز النقدي القياسي في نوفمبر، قبل أن يستقيل بعد خمس سنوات من البنك المركزي.
والمفارقة أن الرجل الذي عارض الجولة الثانية من التيسير الكمي بهذه القوة، يجد نفسه اليوم على رأس المؤسسة نفسها، في توقيت لا يقل تعقيداً عن ذلك الذي عاشه قبل 15 عاماً. فهو يخلف جيروم باول في لحظة يرتفع فيها التضخم إلى 4.2% في مايو، وهو أعلى مستوى منذ أبريل 2023، فيما تترقب الأسواق أول مؤتمر صحفي له يوم الأربعاء في تمام الساعة 2:30 بعد الظهر بتوقيت شرق الولايات المتحدة.
احتيال بأكبر سوق سندات دولية
استعاد وارش، أزمة “التيسير الكمي” والتي قال إن الفيدرالي كان يحب أن يصفها بالتيسير الائتماني في البداية. وأوضح أنه تم مناقشة عملية “طباعة النقود” داخلياً على طاولة الفيدرالي: “كانت القصة كالتالي… وزير الخزانة بولسون سيصدر السندات يومي الاثنين والثلاثاء، والفيدرالي سيدخل يشتريها يومي الخميس والجمعة”.
واعتبر وارش أن إفشاء هذه الأسرار ليس بخيانة ثقة لمن كانوا يجلسون حول تلك الطاولة، حتى أنه قال إن أحد الحضور وصف الخطة بقوله “يبدو الأمر كعملية احتيال هرمي.. ولكن ماذا لديكم لإنقاذنا من الأزمة المالية العالمية؟”.
لم يبدِ وارش أي فخر بتلك السياسات لدرجة أنه وصفها بأنها “كانت محفوفة بالمخاطر ولم يكن أحد يعلم ما إذا كانت ستؤتي ثمارها أم لا؟!”، وهذا على عكس ما ترويه كتب الاقتصاد حالياً بأن “التيسير النقدي” إجراء طبيعي تستخدمه البنوك المركزية في أوقات الأزمات.
ويبدو أن الأيام القادمة ستكشف عن تصور لسياسات أكثر حياداً من جانب المركزي الأميركي، بعيداً عن الإملاءات السياسية أو تأجيل الإصلاحات لحقبة مستقبلية.
قبل ساعات قرر الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة مع إشارة إلى احتمال رفعها خلال الاجتماع المقبل.

