ليست كل الحروب تُحسم في ميادين القتال، وليست كل المعارك تنتهي عند آخر صاروخ. فهناك حروب تُحسم بنتائجها السياسية، وهناك وساطات لا تُصنع لإطفاء الحرائق، بل لمنعها من الانطفاء الكامل.
ومن يتابع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران يدرك أن القضية تجاوزت منذ زمن ملف البرنامج النووي، وأصبحت معركة على شكل الشرق الأوسط القادم، وعلى مستقبل مشروع النفوذ الإيراني الذي تمدد لعقود تحت شعارات مختلفة، بينما كانت ساحته الأوسع العراق.
فالولايات المتحدة أعلنت أكثر من مرة أن تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة هدفٌ استراتيجي، فيما تدرك إيران أن خسارة العراق لا تعني خسارة نفوذ في دولة مجاورة فحسب، بل تعني انهيار أهم ركائز مشروعها الإقليمي.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية…
فبين واشنطن وطهران تتحرك وساطات متعددة، من قطر إلى باكستان وغيرها، تحت عنوان منع الحرب وإعادة التفاوض. ولا أحد يعترض على مبدأ الوساطة إذا كانت تقود إلى سلام حقيقي، لكن السياسة لا تُقاس بالشعارات، بل بالنتائج.
فالسؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: من يتوسط؟
بل: إلى أين يريد أن يصل؟
إن معيار نجاح هذه الحرب لا يُقاس بعدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا بحجم الدمار الذي خَلّفته، بل بما إذا كانت قد أنهت المشروع الذي أشعل الصراع أصلًا.
فإذا انتهت الحرب، أو انتهت الوساطات، بينما بقيت إيران تمارس النفوذ نفسه في العراق والمنطقة، وتواصل إدارة الميليشيات وفرض إرادتها على الدول، فإن شيئا جوهريًا لم يتغير. عندها لا تكون الحرب قد حققت أهدافها، ولا تكون الوساطات قد صنعت سلاما، بل تكون قد أعادت إنتاج الأزمة بصيغة جديدة.
أما إذا لم تُفضِ هذه المواجهة إلى إعادة إيران إلى حدودها الطبيعية كدولة، وإنهاء قدرتها على فرض نفوذها خارج حدودها، وتمكين العراق من استعادة دولته الكاملة وسيادته واحتكار قراره وسلاحه، فإن كل ما جرى لن يكون سوى هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار القادم.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله بعض الوساطات ليس إيقاف الحرب، بل معالجة أسبابها. لأن بقاء النفوذ كما هو، مع وقف إطلاق النار، لا يعني صناعة السلام، بل يعني منح الأزمة فرصة جديدة للحياة.
والعراق هو الاختبار الحقيقي لكل ذلك.
فإذا عاد العراق دولةً قوية ذات قرار وطني مستقل، ستتغير موازين المنطقة تلقائيا، وستفقد مشاريع النفوذ أهم ساحاتها، وسيفقد كثير من الوسطاء أدوارا ومصالح راكموها خلال سنوات الفوضى.
أما إذا بقي العراق ساحةً مفتوحة تتقاسمها الإرادات الخارجية، فإن أي اتفاق بين واشنطن وطهران لن يكون سوى استراحة بين جولة وأخرى.
لهذا، فإن معيار نجاح الحرب، وصدق الوساطة، واحد لا يتغير:
هل انتهى مشروع فرض النفوذ على العراق والمنطقة… أم أُعيد تدويره بصيغة جديدة؟
فإذا كان الجواب هو الثاني، فلن يكون هناك منتصر، ولن يكون هناك سلام، بل ستكون المنطقة قد انتقلت من حربٍ معلنة إلى أزمةٍ مُدارة، ومن صراعٍ مكشوف إلى نفوذٍ يتجدد تحت عناوين جديدة.
وحينها، لا يعود الحديث عن وساطةٍ نزيهة، بل عن إدارةٍ متعمدة للصراع، تُبقي الأعداء أحياء، وتمنع الأوطان من أن تستعيد حياتها.

