أوروبا تمضي في مسارها الخاص

2



مع ابتعادها تدريجاً من أميركا، تعيد القارة تسليح نفسها وترتيب أوضاعها

مارينا هينكه

إيرين مارينوفا

تيل نوبلوخ

ملخص

تتجه أوروبا إلى إعادة صياغة دورها الاستراتيجي بعد تراجع الثقة بالمظلة الأمنية الأميركية وتصاعد التهديد الروسي، عبر زيادة الإنفاق الدفاعي، وإحياء التجنيد الإلزامي، وتعزيز صناعاتها العسكرية. وبينما تسعى إلى شراكة أكثر براغماتية مع واشنطن، تمضي القارة نحو قدر أكبر من الاعتماد على الذات، على رغم ما يواجه هذا التحول من انقسامات سياسية وصعوبات مؤسسية قد تحد من سرعة اكتماله.

لقد تعرض الأوروبيون للإهانة، والازدراء، والتهميش منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى السلطة عام 2025. وليس من المبالغة القول إن أوروبا أصبحت الهدف المفضل لهجمات الرئيس. فالقارة، في نظر إدارته، منهكة عسكرياً، وعديمة الأهمية اقتصادياً، وغير مؤهلة سياسياً، ومحكوم عليها ثقافياً بالاندثار الحضاري. وكانت محاولة ترمب لإكراه الدنمارك على التنازل عن غرينلاند عام 2025 رمزاً للموقف الاستخفافي والمتعالي الذي تتبناه الإدارة تجاه أوروبا.

غير أن واشنطن أصبحت شديدة التمسك بمعتقداتها تجاه أوروبا لدرجة أنها أغفلت التغيرات العميقة التي تشهدها القارة. فللمرة الأولى منذ عقود، يدرك الأوروبيون حجم الأخطار التي تحيط بهم. وبناءً على ذلك، باتوا مستعدين للاستثمار في القدرات العسكرية والانخراط في الخدمة ضمن القوات المسلحة لبلدانهم. ومن هذه التحولات، تتشكل ببطء استراتيجية كبرى جديدة، تشير إلى مسار جيوسياسي واستراتيجي أوروبي جديد. لقد أدركت أوروبا أن نموذجها القديم، القائم على الثراء من دون قوة عسكرية والنفوذ من دون تضحية والحماية من دون التزام، لم يعد قابلاً للاستمرار. وفي الواقع، إن تجاهل أوروبا باعتبارها غير ذات أهمية بصورة دائمة يعني تجاهل حجم وعمق التغيرات الجارية فيها حالياً. فعلى مدى عقود، كانت الدول الأوروبية تصطف تلقائياً خلف أولويات واشنطن، بل وكانت مستعدة لإرسال جنودها للقتال في حروب تقودها الولايات المتحدة، على رغم أن كثيراً من شعوبها، وأحياناً حكوماتها، كانت ترى تلك الحروب مضللة، أو هامشية، أو مكلفة استراتيجياً. أما أوروبا التي تستثمر بجدية في دفاعها، فلن تفعل ذلك بعد الآن، وعلى واشنطن أن تستعد لذلك.

أوروبا تستيقظ
بعد عقود من التراخي، استيقظ الأوروبيون على حقيقة أنهم يعيشون في عالم خطر. وفقاً لاستطلاع رأي أُجري لمصلحة المفوضية الأوروبية، يعتقد 77 في المئة من الأوروبيين أن حرب روسيا في أوكرانيا تمثل تهديداً مباشراً لبقاء أوروبا. ويبلغ القلق ذروته في شرق وشمال أوروبا، لكن 59 في المئة من المستطلعة آراؤهم في ألمانيا، و50 في المئة في فرنسا، و49 في المئة في المملكة المتحدة يعدون أيضاً أن روسيا هي أكبر تهديد للأمن القومي لبلدانهم. وهذه هي أكبر وأقوى الدول الأوروبية. بالتالي، لم يعد التهديد الروسي مصدر قلق يقتصر على أطراف أوروبا فحسب، بل انتقل إلى قلب القارة.

ويزداد هذا الشعور بانعدام الأمن بسبب إدراك كثير من الأوروبيين أنهم لم يعودوا قادرين على الاعتماد على الولايات المتحدة. فوفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة “يوغوف” (YouGov) بتكليف من “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية” في مايو (أيار) الماضي، لم يعد سوى 11 في المئة من الأوروبيين في الدول الـ15 المشمولة بالاستطلاع (النمسا، وبلغاريا، والدنمارك، وإستونيا، وفرنسا، وألمانيا، والمجر، وإيطاليا، وهولندا، وبولندا، والبرتغال، وإسبانيا، والسويد، وسويسرا، والمملكة المتحدة) أن الولايات المتحدة حليف لهم، بانخفاض حاد من 16 في المئة قبل ستة أشهر و22 في المئة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. وبينما ظل مستوى الثقة في الولايات المتحدة يتراجع تدريجاً في معظم الدول المشاركة في الاستطلاع، فإن هذا التطور يعد حديثاً نسبياً في المجر وبولندا. وأعربت غالبية المشاركين المشمولين بالاستطلاع في جميع هذه الدول عن شكوك في أن الولايات المتحدة ستدافع عنهم في حال تعرضهم لهجوم، في حين يرى 25 في المئة من المشاركين الآن أن الولايات المتحدة إما منافس أو خصم.

اقرأ المزيد

السبيل الوحيد لإنقاذ أوروبا

سقوط أوربان وصعود أوروبا

كيف رصت أوروبا صفوفها

نواة الدفاع الجديدة في أوروبا

اليمين ليس على وشك السيطرة على أوروبا
وفي ظل التهديد الروسي وعدم موثوقية الولايات المتحدة، بات كثير من الأوروبيين يؤيدون الآن تعزيز القدرات العسكرية. فغالبية السكان في الدنمارك، وإستونيا، وفرنسا، وألمانيا، وبولندا، والبرتغال، والمملكة المتحدة يؤيدون زيادة الإنفاق على الدفاع الوطني. أما إيطاليا، فهي الدولة الوحيدة التي لا تزال فيها غالبية واضحة تعارض ذلك. ومن اللافت للنظر أن 47 في المئة من المستطلعة آراؤهم في الدول الـ15 المشاركة في الاستطلاع يؤيدون الآن لجوء الاتحاد الأوروبي إلى الاقتراض الجماعي لتمويل مبادرات الدفاع، مع نسبة تأييد تصل إلى 59 في المئة في البرتغال، و56 في المئة في الدنمارك، و55 في المئة في هولندا. وحتى وقت قريب جداً، كان هذا الطرح غير وارد سياسياً. واللافت أيضاً أن الغالبية تؤيد الآن تقليص اعتماد أوروبا على المعدات العسكرية الأميركية والتوجه بدلاً من ذلك إلى البدائل الأوروبية. ويبرز التأييد لشراء المنتجات الأوروبية خصوصاً في الدنمارك، وهولندا، والسويد.

وأخيراً، تؤيد الغالبية في فرنسا وألمانيا وبولندا الآن إعادة فرض الخدمة العسكرية الإلزامية، وهي مطبقة بالفعل في دول مثل الدنمارك وإستونيا وسويسرا. وكانت بولندا وألمانيا قد أنهتا التجنيد الإجباري في عامي 2010 و2011 على التوالي، بينما ألغت فرنسا الخدمة العسكرية الإلزامية تدريجاً في أواخر تسعينيات القرن الـ20. وعلى مدى الـ30 عاماً الماضية، أصبح تأييد التجنيد الإجباري في كثير من الدول الأوروبية موقفاً تتبناه أقلية. أما اليوم، فقد ازداد رسوخاً وتحول تدريجاً إلى الموقف السائد.

الاعتماد على الذات
يشهد الإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفاعاً هائلاً. ففي عام 2024، أنفقت الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي نحو 402 مليار دولار على الدفاع، وهو ما يفوق بكثير الإنفاق العسكري الروسي البالغ 160 مليار دولار. وقد اضطلعت ألمانيا بدور قيادي في هذا المجال، فأصبحت برلين تستأثر الآن بنحو ربع إجمال الإنفاق الدفاعي للاتحاد الأوروبي، مما يجعلها رابع أكبر دولة من حيث الإنفاق العسكري في العالم. وهي في طريقها لإنفاق 172 مليار دولار (أي نحو 3.6 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي) بحلول عام 2029، بزيادة تقارب 200 في المئة مقارنة بعام 2022. وفي معظم الدول الأوروبية، قوبلت هذه الزيادة بالترحيب باعتبارها إجراء ضرورياً لردع روسيا. وكما قال وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي في أبريل (نيسان) الماضي “ما دامت ألمانيا عضواً في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، فإنني أخشى من عزوف ألمانيا عن التسلح أكثر مما أخشى من الجيش الألماني نفسه”. في المقابل، تشعر فرنسا بالقلق من أن إعادة تسليح ألمانيا تهدد تقسيماً تقليدياً للأدوار استمر لعقود: فألمانيا هي القوة الاقتصادية لأوروبا، وفرنسا هي قوتها العسكرية والاستراتيجية. وتحاول باريس التكيف مع هذا الواقع الجديد من خلال محاولة ربط ألمانيا بنظام للتعاون الصناعي الدفاعي الفرنسي – الألماني، وقد حققت نتائج متفاوتة حتى الآن.

ومن أجل تقليل اعتمادها على المعدات الأميركية، تعمل أوروبا أيضاً على تعزيز قدراتها في مجال الصناعات العسكرية. ففي برلين، تتنافس شركات ناشئة مثل “هيلسينغ” Helsing و”ستارك ديفنس” Stark Defense على عقود لتوريد الطائرات المسيرة بمليارات اليورو. وفي الوقت نفسه، بدأت شركة “كوانتوم فرونت لاين إندستريز” Quantum Frontline Industries، وهي مشروع دفاعي ألماني – أوكراني مشترك، إنتاج الطائرات المسيرة على نطاق واسع قرب ميونيخ في وقت سابق من هذا العام. وعلى رغم أن برلين لا تزال في بداية مساعيها لتطوير قدرات عسكرية مستقلة، فإنها تستطيع الاستفادة من عقود من الخبرة في تصنيع المعدات الثقيلة. وتتعاون شركة “راينميتال” Rheinmetall، أكبر مقاول دفاعي ألماني، مع شركة “ليوناردو” Leonardo الإيطالية للصناعات الدفاعية، لإنتاج أكثر من 1000 مركبة قتال جديدة للمشاة وما يصل إلى 350 دبابة قتال رئيسة من طراز “بانثر”KF51 لمصلحة الجيش الإيطالي.

ولا تقتصر هذه التطورات على المعدات العسكرية فحسب. فقد أعادت كرواتيا وليتوانيا ولاتفيا والسويد تطبيق الخدمة العسكرية الإلزامية رداً على العدوان الروسي. أما ألمانيا، التي علقت التجنيد الإجباري في عام 2011، فقد قررت إعادة تفعيل الخدمة العسكرية. ونظراً إلى اعتمادها مبدئياً على التجنيد الطوعي، فقد شكك صانعو السياسات، بمن فيهم الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، في ما إذا كان عدد كاف من الشباب سيقبل على الانضمام إلى القوات المسلحة الألمانية، أو البوندسفير. ولكن ثبت أن مخاوفهم لا أساس لها. فبحلول نهاية مارس (آذار) 2026، كان 12700 شخص يؤدون الخدمة العسكرية التطوعية في صفوف البوندسفير، بزيادة قدرها 13.5 في المئة على العام السابق، بينما تقدم نحو 22700 شخص بطلبات للالتحاق بمسيرة مهنية عسكرية، بزيادة بلغت 20 في المئة. ويضع هذا التطور القوات المسلحة الألمانية على المسار الصحيح لتحقيق هدف البلاد متوسط المدى المتمثل في تجنيد 260 ألف جندي في الخدمة الفعلية و200 ألف جندي من قوات الاحتياط بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الـ21، بما يدعم الهدف الذي أعلنه المستشار فريدريش ميرتس بجعل البوندسفير “أقوى جيش نظامي في أوروبا” مرة أخرى. أما في السويد، فإن التحول يبدو أكثر إثارة للدهشة: إذ إن عدد المؤهلين والمتحمسين الذين يتقدمون للخدمة في الجيش يفوق قدرة المؤسسة العسكرية على استيعابهم، ولا يقبل منهم سوى أقل من 10 في المئة.

الطريق إلى الأمام
بعد الحرب الباردة، جعلت معظم الدول الأوروبية الازدهار الاقتصادي، لا الأمن القومي، المبدأ الأساس لاستراتيجيتها الكبرى. وكان في صميم هذه الرؤية إيمان راسخ بالتجارة العالمية. فقد اعتقد صانعو السياسات أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل سيخفف من حدة الصراعات السياسية ويقلل من احتمالية نشوب الحروب. أما الدول التي ظلت تتصرف بصورة خارجة عن هذا النهج، فقد سعت أوروبا إلى ضبطها وتغيير سلوكها من خلال المساعدات والتجارة والقانون واللوائح والمعايير. كانت هذه هي الاستراتيجية الكبرى: إدارة الجغرافيا السياسية من طريق الأسواق والقواعد والتكامل.

لكن غزو روسيا لأوكرانيا حطم هذا المفهوم، وبدأت أوروبا البحث عن استراتيجية كبرى جديدة. وقدم ميرتس أكثر التصورات تماسكاً لهذه الاستراتيجية حتى الآن، معبراً بوضوح عن مفهوم “الواقعية المبدئية” في مقالة له في مجلة “فورين أفيرز”. ويقوم إطاره الاستراتيجي الكبير، في جوهره، على تحليل موضوعي وواقعي. فالنظام الدولي القائم على الحقوق والقواعد لم يعد موجوداً، وقد دخلنا عصراً تحكمه الممارسة الصريحة للقوة. لذا، يتعين على ألمانيا التكيف مع هذا الواقع والعودة إلى عالم القوة الصلبة، من خلال إعادة تسليح عسكري واسع النطاق، وإعادة هيكلة قواتها المسلحة وأجهزة استخباراتها، ومواصلة دعم أوكرانيا ما دام ذلك ضرورياً.

مع ذلك، وفي خضم هذا التحول، يجب ألا تفقد ألمانيا مبادئ الديمقراطية وسيادة القانون والتعاون الدولي التي استرشدت بها منذ عام 1945. وعلى رغم أنها لا تستطيع بمفردها الحفاظ على النظام العالمي القائم على القواعد، فإنها قادرة على المساهمة في تشكيل نظام إقليمي، وربما حتى نظام يجمع بين الدول المتوافقة في الرؤى خارج أوروبا، بما يحافظ على حد أدنى من الاستقرار والقدرة على التنبؤ. وفي هذا السياق، سيجري تعديل العلاقات مع الولايات المتحدة، لا التخلي عنها. وستتحول الصداقة العاطفية إلى شراكة براغماتية.

وتتجلى في جميع أنحاء القارة الأوروبية نزعة متجددة نحو التعاون الأوروبي. وقد أظهر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الكلف الاقتصادية المترتبة على مغادرة السوق الأوروبية الموحدة، إذ أشارت دراسة أجراها “المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية” في الولايات المتحدة المتحدة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي البريطاني عام 2025 كان أقل بنسبة تراوح ما بين ستة وثمانية في المئة مما كان سيكون عليه لو لم تغادر المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي. في الوقت نفسه، انخرطت سويسرا، التي لم تنضم قط إلى الاتحاد الأوروبي، في مفاوضات صعبة ومكلفة مع الولايات المتحدة في شأن الرسوم الجمركية، مما أبرز هشاشة الدول الصغيرة عندما تضطر إلى التفاوض الثنائي في بيئة تحكمها موازين القوة. وعلى النقيض من ذلك، برز نموذج مختلف عندما ضغط ترمب على الدنمارك في شأن غرينلاند. فقد أثبت هذا الصدام أن حتى الدولة الصغيرة يمكنها الصمود أمام ضغوط القوى العظمى عندما تحظى بدعم الشركاء الأوروبيين، وهو إنجاز كان سيكون من الصعب على كوبنهاغن تحقيقه بمفردها. ونتيجة لذلك، تعيد أيسلندا النظر في معارضتها الطويلة الأمد لعضوية الاتحاد الأوروبي، وتؤيد غالبية المواطنين البريطانيين الآن الانضمام مجدداً إلى الاتحاد الأوروبي. وتدرك الدول الأوروبية أن العمل الجماعي والتحالفات أمران أساسيان لا غنى عنهما، لأن عدداً قليلاً جداً من البلدان يستطيع الدفاع عن مصالحه بفاعلية إذا تصرف بمفرده بمعزل عن الآخرين.

ما الذي قد يسير على نحو خاطئ؟
يمكن أن يتعرض هذا التوافق الاستراتيجي للخطر. فما زالت الاختلافات في التفضيلات الوطنية قائمة، كما أن الأحزاب المتشككة في الاتحاد الأوروبي تهدد تماسك القارة. وتشير استطلاعات الرأي حالياً إلى أن حزب “التجمع الوطني” يتصدر السباق الفرنسي للفوز بالانتخابات الرئاسية العام المقبل. وعلى رغم أن الحزب خفف من حدة دعواته السابقة إلى انسحاب فرنسا من حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، إلا أنه لا يزال ملتزماً بأجندة من شأنها إضعاف الدعم الفرنسي لمزيد من التكامل الأوروبي، وتقييد التعاون مع بروكسل، وتعقيد الجهود المبذولة لتعزيز التعاون الأوروبي في مجال الأمن. وفي الوقت نفسه، فإن “حزب البديل من أجل ألمانيا” المتشكك في الاتحاد الأوروبي، قد برز بوصفه قوة رئيسة، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى حصوله على نحو 28 في المئة من التأييد على المستوى الوطني. وعلى رغم أن العوائق المؤسسية وسياسات الائتلاف تجعل من غير المرجح أن يفوز “حزب البديل من أجل ألمانيا” بمنصب المستشارية الألمانية في المستقبل القريب، فإن تنامي نفوذه على مستوى الولايات سيحد من التزام ألمانيا بمبادرات إعادة التسلح الأوروبية.

ولذلك، فمن غير المرجح أن يتمكن الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 27 دولة عضواً كثيراً ما تتباين مواقفها، من اعتماد أي إطار استراتيجي كبير جديد بصورة جماعية، ناهيك بإجراء التعديلات المؤسسية اللازمة لتنفيذه. ولكي يتحول الاتحاد فعلاً إلى مؤسسة دفاعية حقيقية، فسيتعين عليه الانتقال إلى آلية لاتخاذ القرارات بالغالبية، مما يتطلب من كل دولة عضو نقل سيادتها إلى بروكسل. لكن حتى في أكثر الدول تأييداً للاتحاد الأوروبي، لا توجد حماسة تُذكر لإجراء مثل هذا التغيير الجذري. ولذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو ظهور مؤسسات أمنية أوروبية متداخلة. وسيظل حلف الناتو ركيزة أساس، لكن من المرجح أن يبدأ الأوروبيون تدريجاً في تولي مسؤولية التخطيط والقيادة والقوى البشرية داخل الحلف.

وبالتوازي مع حلف الناتو، ستنشأ تجمعات من الدول الأوروبية التي تسعى إلى تحقيق مستوى أعمق من التكامل الاستراتيجي. ومن الأمثلة الحديثة الناجحة على هذا التوجه، “قوة الاستطلاع المشتركة” Joint Expeditionary Force. هذا الإطار العسكري الذي تقوده المملكة المتحدة ويضم 10 دول من شمال أوروبا، صمم للاستجابة السريعة والمرنة للأزمات، ولا سيما في مناطق القطب الشمالي، وشمال الأطلسي، وبحر البلطيق. ومن الأمثلة الأخرى مبادرة “الردع المتقدم” بقيادة فرنسا، التي انضمت إليها تسع دول أوروبية أخرى. وبموجب هذا الترتيب، ستشارك القوات المسلحة التابعة للدول الـ10 في مناورات تشمل القوات النووية الفرنسية المحمولة جواً، وستستضيف قواعد جوية مهيأة لاستقبال الطائرات الفرنسية القادرة على حمل أسلحة نووية. وستسهم الدول المشاركة أيضاً في تطوير القدرات الداعمة، بما في ذلك أنظمة الإنذار المبكر الفضائية، وأنظمة الدفاع الجوي لاعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ، ومنظومات الضربات بعيدة المدى. وتركز المبادرة على التكامل بين الأسلحة النووية والتقليدية، وكذلك على إيجاد رد أوروبي للابتزاز النووي الروسي، وهو السيناريو النووي الأكثر احتمالاً وإلحاحاً الذي قد تواجهه أوروبا خلال الأعوام المقبلة، وقد لا تكون القوات الأميركية مستعدة للتدخل فيه أو تقديم المساعدة عند وقوعه.

على الضفة الأخرى من الأطلسي
إن التوترات عبر الأطلسي ليست أمراً جديداً. فقد شهدت العلاقات الأوروبية مع واشنطن توترات بسبب المحاولة البريطانية والفرنسية والإسرائيلية الفاشلة للسيطرة على قناة السويس عام 1956، وبسبب الإجراءات الأميركية في فيتنام خلال ستينيات وسبعينيات القرن الـ20، وكذلك بسبب الغزو الأميركي للعراق عام 2003. إلا أن مستوى الخلاف القائم اليوم بين واشنطن والعواصم الأوروبية غير مسبوق. وكذلك الحال بالنسبة إلى الإجراءات التي تتخذها أوروبا اليوم لضمان أمنها بنفسها. فروسيا قد تكون قوة نووية هائلة، لكنها تفتقر إلى الأسس الاقتصادية والتكنولوجية التي تميز القوى العظمى. ولذلك، فإن طموح أوروبا إلى تحقيق أهدافها الأمنية يعد واقعياً على المدى المتوسط. ولم تضطلع أوروبا بمسؤولية أمنها بنفسها منذ ما يقارب 100 عام. فخلال الحرب الباردة، كانت أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة، إلا أن ذلك الزمن قد ولى.

وسيكون من الخطأ أن تكتفي أوروبا بانتظار انتهاء ولاية ترمب على أمل وصول رئيس أميركي أكثر تعاطفاً معها. فقد تحسم الحرب في أوكرانيا قبل انتهاء رئاسة ترمب، ومعها قد يتحدد ميزان القوى المستقبلي في القارة الأوروبية. ولذلك، لا تستطيع أوروبا تأجيل القرارات الصعبة المتعلقة بدفاعها على أمل أن تعود واشنطن في نهاية المطاف إلى نهجها السابق. كما أن رحيل ترمب لن يؤدي بالضرورة إلى عودة النظام القديم. فكثير من الأوروبيين باتوا يشتبهون في أن أي إدارة ديمقراطية مستقبلية ستنجذب، بصورة لا مفر منها، نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إذ تنظر الولايات المتحدة بصورة متزايدة إلى الصين باعتبارها منافسها الاستراتيجي الرئيس. وأخيراً، فإن هجوم ترمب على المؤسسات الديمقراطية، إلى جانب التآكل الأوسع في قدرة مؤسسات الحكم في واشنطن، أثار شكوكاً حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل قادرة، أو سينظر إليها على أنها قادرة، على الوفاء بالتزاماتها في وقت الأزمات. فإذا توصلت موسكو، أو بكين، أو أي خصم آخر إلى قناعة بأن الولايات المتحدة أصبحت منقسمة أكثر مما ينبغي، أو منشغلة، أو مستنزفة إلى درجة تعجز معها عن الرد بسرعة وحزم، فلن يكون بمقدور أوروبا أن تبقى في موقع الارتجال، بل يجب أن تمتلك ردها الخاص المحضر مسبقاً.

وعلى رغم أن إدارة ترمب قد ترحب بهذه التحولات في أوروبا، فإن جوانبها السلبية بدأت بالفعل تتضح. فعندما أطلقت الولايات المتحدة عملية “ملحمة الغضب” في فبراير (شباط) الماضي، رفضت إسبانيا السماح للطائرات الحربية الأميركية باستخدام مجالها الجوي، ورفضت المملكة المتحدة السماح للقوات الأميركية باستخدام قاعدة دييغو غارسيا. وفي وقت لاحق، وجه ميرتس انتقادات علنية للحرب الجارية، مما أثار غضب ترمب. وبدأت تتشكل قوى اقتصادية وسياسية واجتماعية جديدة ستقف في وجه أي محاولة لإعادة الروابط عبر الأطلسي إلى سابق عهدها بصورة كاملة. وقد تكون العلاقات المستقبلية ودية، وربما تظل وثيقة، لكنها ستكون مختلفة.



مارينا هينكه أستاذة العلاقات الدولية في مدرسة هيرتي ومديرة مركز الأمن الدولي فيها.

إيرين مارينوفا هي باحثة ما بعد الدكتوراه في مركز هنري كيسنجر للشؤون العالمية في مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة التابعة لجامعة جونز هوبكنز.

تيل نوبلوخ هو باحث ما بعد الدكتوراه في مركز هنري كيسنجر للشؤون العالمية في مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة التابعة لجامعة جونز هوبكنز.

مترجم عن “فورين أفيرز”، 29 يونيو (حزيران) 2026

التعليقات معطلة.