إذا كانت الرشوة بمئات الملايين… فالمشكلة ليست في شخص واحد 

2

 

 

تصريح السيد رئيس الوزراء على الزيدي 

بالكشف عن قضية الرشوة المنسوبة إلى مسؤول رفيع في قطاع النفط العراقي فتح واحد من أخطر الأسئلة التي يواجهها العراق منذ سنوات: هل نحن أمام فساد أفراد، أم أمام خلل أعمق في بنية الإدارة والرقابة والدولة؟

فالقضية، بما حملته من أرقام وتفاصيل متداولة، تتجاوز حدود اسم المتهم أو المنصب الذي شغله.

لأن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: من فعل ذلك؟

بل: كيف أمكن أن يصل الأمر إلى هذه المرحلة أصلاً؟

في الدول التي تعمل مؤسساتها بكفاءة، لا تتحول ملفات بهذا الحجم إلى مفاجآت، لأن منظومات الرقابة والتدقيق والمساءلة تكتشف الخلل قبل أن يتضخم.

أما عندما تظهر قضية بهذا الحجم، فإنها تدفع إلى مراجعة بيئة القرار بأكملها، لا الشخص المتهم وحده.

العراق لا يحتاج اليوم إلى البحث عن “كبش فداء” جديد يعلق عليه غضبه، بل يحتاج إلى مراجعة شاملة لسنوات طويلة من إدارة المال العام.

فإذا كانت هناك شبكات فساد، فمن الذي سمح لها بالنمو؟

وإذا كانت هناك صفقات مشبوهة، فأين كانت أدوات الرقابة؟

وإذا كانت هناك ثروات غير مبررة تراكمت خلال سنوات، فلماذا لم تُفتح الملفات في وقتها؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو اختزال أزمة بحجم الفساد العراقي في اسم واحد أو منصب واحد.

فالفساد الذي استنزف البلاد لعقود لا يمكن أن يكون نتاج شخص واحد، كما أن معالجته لا يمكن أن تتم باعتقال شخص واحد.

المطلوب هو أن تتحول كل قضية كبرى إلى فرصة لإعادة بناء منظومة النزاهة والمساءلة، وأن تخضع جميع المراحل السابقة للمراجعة القانونية والمالية والإدارية، بعيداً عن الانتقائية أو التوظيف السياسي.

فالشعب لا يريد روايات متنافسة، بل يريد حقيقة واحدة.

ولا يريد تبادل الاتهامات، بل معرفة كيف أُديرت ثرواته، وأين ذهبت، ومن يتحمل المسؤولية عنها.

لأن الدول لا تُبنى على النسيان، بل على المحاسبة.

ولا تستعيد ثقة مواطنيها بإغلاق الملفات، بل بفتحها حتى النهاية.

التعليقات معطلة.