إيران تستغيث من الحصار… فماذا عن العراق؟

4

 

هناك مفارقة تستحق أن تُقال بوضوح.
الخارجية الإيرانية تطلب اليوم من دول العالم عدم الالتزام بالعقوبات الأميركية الجديدة، وتصفها بأنها إجراءات غير قانونية وتضغط على الدول كي لا تنخرط فيها. وهذا ليس تفصيلاً عابراً، بل دليل على أن طهران تعرف جيداً ماذا يعني أن تضيق أبواب التجارة والمال والنفط أمام دولة بأكملها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه على الإيرانيين قبل غيرهم:
أين كان هذا الصوت عندما كان العراق محاصراً؟
العراق لم يواجه عقوبات محدودة على مسؤولين أو مؤسسات أو قطاعات بعينها. في آب ١٩٩٠ فرض مجلس الأمن عقوبات اقتصادية شاملة على العراق، واستمرت قرابة ثلاثة عشر عاماً، حتى رفعها مجلس الأمن في أيار ٢٠٠٣. ومع مرور السنوات اضطر العراقيون إلى العيش في ظل نظام
“النفط مقابل الغذاء” ، بعدما أصبح الاقتصاد العراقي والمجتمع بأكمله تحت وطأة الحصار.
كان العراق يومها بلداً أنهكته حرب طويلة، ثم جاءت حرب الخليج، ثم الحصار.
لم يكن العراقي يملك منفذاً يهرب إليه.
لم يكن المواطن العراقي هو من اتخذ قرار الحرب، ومع ذلك دفع ثمنها من قوته الشرائية، ومن صحته، ومن غذائه، ومن مستقبله.
وهنا يجب أن نفرق بين الشعوب والأنظمة.
الشعب العراقي لم يكن صدام حسين، كما أن الشعب الإيراني ليس النظام الإيراني.
هذه حقيقة لا ينبغي أن تضيع وسط الصراع السياسي.
العراقيون عرفوا معنى الحصار، ولذلك لا نتمنى للإيرانيين ما عاناه العراقيون. لا نتمنى لطفل إيراني أن يجوع، ولا لعائلة إيرانية أن تفقد دواءها، ولا لمواطن أن يدفع ثمن قرار سياسي لم يتخذه.
لكن المشكلة ليست في الشعب الإيراني.
المشكلة في نظام سياسي يريد أن يمارس نفوذاً إقليمياً واسعاً، وأن يحتفظ بأوراق قوة خارج حدوده، ثم يطلب من العالم عندما تضيق عليه العقوبات أن يتعامل معه باعتباره ضحية بلا مسؤولية.
لا.
السياسة لها ثمن.
ومن حق أي دولة أن تدافع عن مصالحها، ومن حق المجتمع الدولي أن يستخدم العقوبات للضغط على حكومة ما، لكن من الظلم أن يدفع الشعب الثمن الأكبر.
وهذه هي المفارقة التي ينبغي ألا ننساها في العراق.
عندما كان العراقيون تحت الحصار، لم يكن السؤال الدولي آنذاك: ماذا سيحدث للعراقي العادي إذا طال الحصار؟ بل استمر الحصار حتى أصبح جزءاً من حياة الناس اليومية. والأمم المتحدة نفسها أقرت لاحقاً بأن العقوبات استمرت قرابة ثلاثة عشر عاماً وفرضت كلفة قاسية على صحة وتغذية ملايين العراقيين، خصوصاً الفئات الأضعف.
اليوم تستغيث طهران من الحصار.
ومن حقها أن تطالب برفعه.
لكن من حق العراقي أيضاً أن يسأل:
لماذا يصبح الحصار كارثة عندما يصل إلى إيران، ولا يكون كارثة عندما يصل إلى العراق؟
الجواب الأخلاقي الوحيد هو أن الحصار مؤلم على الشعوب كلها.
العراقي والإيراني ليسا أعداء بسبب جنسيتهما.
المواطن يريد أن يعيش، يأكل، يعمل، يعالج أبناءه، ويرى مستقبله آمناً.
أما الأنظمة فهي التي تصنع الحروب وتبني النفوذ وتقرر المغامرات السياسية.
لذلك لا ينبغي للعراقي أن يشمت بالشعب الإيراني، ولا ينبغي للإيراني أن ينسى ما حدث للعراقيين.
الشعوب تتغير الحكومات، لكن آثار القرارات الخاطئة قد تبقى في ذاكرة الأجيال.
العراق عرف الحصار، وإيران تعرف الآن بعضاً من قسوته. والدرس الذي يجب أن يتعلمه الجميع هو أن الشعوب لا ينبغي أن تكون رهينة لقرارات أنظمتها.

التعليقات معطلة.