الإنزال الاقتصادي.. نورماندي الشرق الأوسط

3

 

 

في السادس من حزيران ١٩٤٤، نزلت قوات الحلفاء على شواطئ نورماندي. لم يكن ذلك مجرد إنزال عسكري، بل كان بداية النهاية للجيش النازي في فرنسا، وفتح الطريق لتحرير أوروبا الغربية من قبضة هتلر.

اليوم، يبدو الشرق الأوسط أمام نسخة مختلفة من نورماندي. إنزال لا يبدأ بالجنود، بل بالاقتصاد؛ ولا يستهدف شاطئاً فرنسياً، بل شرياناً اقتصادياً لنظام إيراني يحاول منذ عقود أن يجعل من نفوذه الإقليمي أداة لحماية بقائه.

المعركة بدأت فعلياً بخنق صادرات النفط، وتشديد الحصار على الموانئ، وتعطيل حركة الناقلات، ومحاصرة مصادر العملة الصعبة. علما أن صادرات النفط الإيرانية تراجعت بشدة تحت ضغط الحصار، فيما أصبحت حركة الناقلات محدودة للغاية.

لكن السؤال الأكبر هو: إلى أين يمكن أن يصل هذا الإنزال الاقتصادي؟

هنا تظهر جزيرة خرج.

فأنها ليست مجرد منشأة نفطية على الخليج. إنها واحدة من أهم مفاصل الاقتصاد الإيراني. فقرابة 90% من صادرات النفط الخام الإيراني تمر عبرها، وتضم منشآت تخزين وتحميل عميقة المياه تستطيع استقبال الناقلات العملاقة.

ولهذا فإن أحد السيناريوهات التي لا يمكن استبعدها بل أصبحت حتمية ، هو الانتقال من محاصرة الجزيرة إلى السيطرة العسكرية عليها أو تعطيلها بصورة كاملة.

وهنا تتغير طبيعة المعركة.

فالسيطرة على خرج، لن تكون مجرد عملية عسكرية للاستيلاء على الجزيرة. بل ستكون محاولة لإحكام القبضة على الشريان النفطي الذي يمد النظام الإيراني بالعملة الصعبة.

وهذا هو المعنى الحقيقي لـ”ورماندي الشرق الأوسط”، أن تتكامل القوة الاقتصادية مع القوة العسكرية. حصار يمنع التصدير، وضغط مالي يخنق الإيرادات، وسيطرة بحرية تمنع الالتفاف على الحصار، ثم وضع اليد على أهم نقطة يمكن أن يستعيد منها النظام قدرته على تمويل الدولة وأجهزته وشبكة نفوذه الخارجية.

لكن السيطرة على خرج ليست خطوة بلا ثمن. فهي تحمل مخاطر كبيرة على أسواق الطاقة والأمن البحري، وقد تدفع طهران إلى تصعيد أوسع. ولذلك فإن قيمتها الاستراتيجية لا تكمن في مجرد احتلالها، وإنما في قدرتها على تحويل الضغط الاقتصادي إلى خنق كامل لمنظومة التمويل الإيرانية. وهذا الفعل ان حصل سيخنق جزءاً أساسياً من إيرادات طهران، 

وهنا يصبح الهدف أكبر من النفط.

الهدف هو إجبار النظام الإيراني على الاختيار بين الاستمرار في مشروعه الإقليمي ودفع ثمن اقتصادي وسياسي متزايد، أو التراجع والقبول بالمعادلة الجديدة.

في نورماندي ١٩٤٤، كان الإنزال العسكري هو بوابة تحرير فرنسا.

أما في الشرق الأوسط، فقد يكون الإنزال الاقتصادي هو بوابة تحرير المنطقة من منظومة النفوذ الإيراني.

وإذا احتاج هذا الإنزال الاقتصادي في لحظة ما إلى ذراع عسكرية تضع يدها على شريان النظام، فإن جزيرة خرج ستتحول إلى “نورماندي” آخر، ولكن هذه المرة على مياه الخليج .

هناك كان الهدف طرد الجيش النازي من فرنسا.

أما اليوم، فالهدف هو قطع قدرة النظام الإيراني على تمويل مشروعه، وتجفيف أذرعه، وإجباره على العودة إلى داخل حدوده.

فالحروب الحديثة لا تُحسم دائماً بعدد الجنود الذين ينزلون على السواحل.

بل حين يحصل الإنزال الاقتصادي مصحوبا بعمل عسكري يُغلق آخر صنبور للمال.

التعليقات معطلة.