هناك أسئلة كثيرة حول الحرب الحالية، لكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: لماذا لا يُسقط ترامب نظام طهران، رغم امتلاكه القدرة على ذلك؟
الإجابة ليست في قدرة الولايات المتحدة على إسقاط النظام، بل في اليوم الذي يلي سقوطه.
ترامب لا يخشى سقوط نظام الولي الفقيه بقدر ما يخشى ما قد يسقط معه، ومن يملأ الفراغ بعده. فإسقاط نظام سياسي شيء، وإدارة دولة بحجم إيران وما ينتج عن سقوط نظامها من تداعيات إقليمية شيء آخر تماماً.
المعادلة التي حكمت الشرق الأوسط لم تبدأ عام ١٩٧٩. بل كانت قائمة قبل الثورة الإيرانية، منذ عهد الشاه. وتعتمد ان إيران قوة إقليمية كبرى في الشرق العربي، وإسرائيل قوة عسكرية مهيمنة في الغرب، والعالم العربي محصور بين قوتين تتنافسان على النفوذ.
عام ١٩٧٩، تغير النظام في طهران، لكن المعادلة لم تسقط وبقت على حالها . وان الذي تغير هو طبيعة الدور الإيراني . وحينها انتقلت إيران من دولة إقليمية تقليدية إلى مشروع أيديولوجي يحمل شعار تصدير الثورة، ويستخدم المذهب والنفوذ السياسي والأذرع المسلحة لاختراق دول المنطقة وإضعافها.
ثم جاء عام ٢٠٠٣ وسقط العراق، فسقط معه أحد أهم أعمدة التوازن الإقليمي. لم يكن سقوط بغداد حدثاً عراقياً فقط؛ كان تحولاً استراتيجياً غيّر ميزان القوة في الشرق الأوسط. تمدد النفوذ الإيراني داخل العراق، ثم انتقل إلى ساحات عربية أخرى، وأصبح العراق نفسه جزءاً من صراع النفوذ بدلاً من أن يكون حاجزاً في وجهه.
وهكذا بقي العرب بين قوتين: إيران من الشرق وإسرائيل من الغرب.
لهذا فإن إسقاط النظام الإيراني ليس مجرد ضربة عسكرية ناجحة. إنه قرار بإعادة بناء معادلة الشرق الأوسط من جديد.
واشنطن تستطيع تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، وشل أذرعها، وخنق نفوذها، وربما الوصول في مرحلة ما إلى إسقاط النظام نفسه. ولكن السؤال الأخطر سيبدأ بعد ذلك: من يحكم إيران؟ هل تبقى الدولة موحدة؟ من يسيطر على مؤسساتها وأسلحتها؟ من يملأ الفراغ؟ وهل يكون البديل أكثر استقراراً أم أكثر فوضى؟
هنا تكمن عقدة ترامب.
لذلك فإن هدفه الحقيقي الآن ليس إسقاط النظام فوراً، بل إسقاط قدرته على الهيمنة أولاً. تفكيك قوته العسكرية، ضرب أدوات نفوذه، قطع أذرعه الإقليمية، وإعادة تشكيل ميزان القوة، من دون فتح باب فراغ لا تعرف واشنطن كيف وأين ينتهي.
فالهدف ليس إنقاذ نظام طهران، كما يعتقد البعض، وإنما تجنب أن يتحول سقوطه المفاجئ إلى أزمة أكبر من النظام نفسه.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل يستطيع ترامب إسقاط نظام طهران؟
نعم، يستطيع.
لكن السؤال الأصعب: هل يستطيع السيطرة على نتائج سقوطه؟
وهنا تحديداً تكمن الحسابات. ترامب قد لا يريد نظاماً إيرانياً قادراً على تهديد المنطقة، لكنه أيضاً لا يريد إيران بلا دولة، ولا فراغاً تملؤه الفوضى أو قوى إقليمية ودولية أخرى.
لذلك فأن المسار الذي اختاره أكثر قسوة من مجرد إسقاط النظام: إسقاط قدرته على الهيمنة أولاً، ثم ترك الإيرانيين أمام معادلة جديدة يقررون هم شكلها.
إسقاط النظام ممكن عسكرياً.
أما إدارة اليوم التالي لسقوطه، فهي المرحلة الأصعب.
وهذا هو بالضبط ما يخشاه ترامب.

