ليست كل الهزائم تبدأ في ساحة المعركة. بعضها يبدأ بقرار سياسي يُتخذ في لحظة خاطئة، فتتحول نتائجه إلى لعنة تلاحق أمة بأكملها لعقود.
كان الثاني من آب 1990 واحدا من تلك اللحظات.
ففي ذلك اليوم لم تدخل القوات العراقية الكويت فحسب، بل دخل العالم العربي كله مرحلة جديدة انتهى فيها النظام الإقليمي الذي عرفته المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي، وبدأت مرحلة ما زلنا نعيش تداعياتها حتى اليوم.
يخطئ من يقرأ ذلك الحدث باعتباره نزاعا حدوديا أو خلافا سياسيا بين دولتين عربيتين. فقد كان، في حقيقته، انهيارا في القدرة على قراءة التاريخ.
في السياسة، لا يكفي أن تمتلك القوة، بل يجب أن تعرف متى تستخدمها، ومتى تمتنع عن استخدامها.
كان العراق قد خرج لتوه من حرب الثماني سنوات مع إيران. دولة منهكة اقتصاديا، لكنها ما تزال تمتلك أكبر قوة عسكرية عربية، وجيشا راكم خبرة قتالية استثنائية، وموقعا إقليميا جعل كثيرين يرونه خط الدفاع الأول عن المشرق العربي.
لكن العالم الذي خرج العراق من حربه لم يكن هو العالم الذي دخل إليه في الثاني من آب.
فالمنظومة الدولية كانت تتغير بسرعة مذهلة. الاتحاد السوفيتي كان يتداعى، وحلف وارسو يلفظ أنفاسه الأخيرة، والولايات المتحدة كانت تستعد لإعلان ولادة النظام الدولي أحادي القطبية. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تصبح الأخطاء الصغيرة كوارث، أما الأخطاء الكبرى فتتحول إلى نهايات.
لهذا لم يكن احتلال الكويت مجرد خطأ سياسي، بل كان سوء تقدير استراتيجيا للتاريخ نفسه.
لقد منح القرار الولايات المتحدة ما كانت تحتاج إليه: الشرعية الدولية، والإجماع السياسي، والتحالف العسكري، والوجود المباشر في الخليج. ومنذ تلك اللحظة لم يعد العراق يواجه الكويت، بل واجه نظاما دوليا كاملا وجد في الأزمة فرصة لإعادة تشكيل المنطقة وفق توازنات جديدة.
غير أن المأساة لم تكن عراقية فقط.
لقد أخفق العرب جميعا.
أخفقت العواصم العربية في إنتاج تسوية توقف الانهيار قبل وقوعه، وأخفقت في إدارة خلاف عربي داخل البيت العربي، فانتقلت الأزمة إلى القوى الدولية، وعندما تدخل الخارج لم يعد يبحث عن حل للأزمة، بل عن إعادة رسم الخريطة السياسية والعسكرية للمنطقة.
ذلك هو الخطأ الذي لا يزال العرب يدفعون ثمنه.
فبعد تدمير العراق، ثم حصاره، ثم إسقاط دولته عام ٢٠٠٣، اختفى أهم عنصر في ميزان الردع العربي. وهنا وجدت إيران الفرصة التي انتظرتها طويلا. لم تدخل إلى الفراغ لأنها كانت الأقوى فحسب، بل لأنها وجدت فراغا لم يعد أحد قادرا على ملئه.
إن كثيرا من الأزمات التي يعيشها المشرق العربي اليوم ليست منفصلة عن ذلك اليوم. فالنفوذ الإيراني، والانقسامات الطائفية، وغياب التوازن الإقليمي، وتراجع النظام العربي، جميعها جاءت في بيئة تشكلت بعد انهيار العراق كقوة مركزية.
ولذلك فإن أكبر خطأ في قراءة الثاني من آب هو اختزاله في سؤال: من ربح ومن خسر؟
في الحقيقة… الجميع خسر.
خسر العراق دولته ومكانته وقوته.
وخسرت الكويت أمن الجوار العربي الذي كان يفترض أن يحميها.
وخسر العرب توازنهم الاستراتيجي.
وربح الآخرون فرصة إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحهم.
إن الأمم التي لا تتعلم من أخطائها تعيد إنتاجها بأسماء جديدة. أما الأمم التي تراجع تاريخها بشجاعة، فإنها لا تبحث عن تبرئة أحد، بل تبحث عن منع تكرار الكارثة.
وبعد ستة وثلاثين عاما، لم يعد السؤال: ماذا حدث في الثاني من آب؟
السؤال الحقيقي هو: هل تعلم العرب أن الخطأ الاستراتيجي الواحد قد يغيّر مصير أمة كاملة لعقود؟
لقد أثبت التاريخ أن أخطر القرارات ليست تلك التي تُتخذ تحت ضغط الحرب، بل تلك التي تُتخذ من دون قراءة صحيحة لموازين القوى وتحولات العالم. وفي الثاني من آب، لم يسقط العراق وحده في هذا الفخ، بل سقط معه التوازن العربي بأكمله، وما زالت المنطقة حتى اليوم تحاول الخروج من أنقاض تلك اللحظة.

