الزيدي في الرصد الشعبي والإقليمي .. هل ينجح في معركته مع قوى السلاح الإيراني؟

5

 

 

يقف الزيدي اليوم تحت أنظار العراقيين. ليس لأن المعركة التي يخوضها عادية، ولا لأن ملف السلاح يمكن التعامل معه كملف سياسي آخر، بل لأن ما يجري يضع الدولة العراقية أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع أن تفرض قرارها على القوى المسلحة التي ظلت لسنوات جزءاً من المعادلة السياسية والأمنية في العراق؟

المعركة التي دخلها الزيدي أكبر من شخصه، وأكبر من الحكومة التي يقودها. إنها معركة بين مشروعين: مشروع يريد أن يجعل السلاح حصراً بيد الدولة، ومشروع يريد الإبقاء على السلاح خارج القرار الوطني، ولو تحت عناوين قانونية وسياسية مختلفة.

ولهذا أصبح الزيدي في الرصد الشعبي.

العراقيون يراقبون الآن ماذا سيفعل . هل يمتلك القدرة السياسية والشجاعة والإرادة على الذهاب بهذا الملف إلى نهايته، أم سيتحول الأمر إلى جولة جديدة من المساومات التي تنتهي ببقاء السلاح وتغيير عنوانه فقط؟

إذا نجح الزيدي في هذه المعركة، فإن النجاح لن يكون عادياً. سيكون نقطة تحول في حياته السياسية وفي تاريخ الدولة العراقية بعد ٢٠٠٣. وسيحسب له أنه الرجل الذي دخل أصعب مواجهة داخلية، واستطاع أن يضع قضية احتكار الدولة للسلاح على طريق التنفيذ.

عندها لن يكون مجرد رئيس حكومة نجح في إدارة ملف أمني، بل يمكن أن يتحول إلى زعيم معركة استعادة الدولة.

لكن الطريق إلى ذلك ليس سهلاً.

هناك قوى مسلحة ترتبط سياسياً وأمنياً وفكرياً بإيران، ولديها مصالح ضخمة داخل الدولة وخارجها. وهذه القوى لن تنظر إلى تسليم السلاح باعتباره مجرد إجراء إداري؛ فهي تعرف أن انتهاء السلاح الموازي يعني انتهاء جزء كبير من قدرتها على فرض شروطها في السياسة.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين الزيدي والفصائل فقط.

إنها بين الدولة ومنظومة القوة التي نشأت على هامشها وداخل مؤسساتها في آن واحد.

وإذا فشل الزيدي، فلن يكون الفشل شخصياً.

سيكون فشلاً للدولة.

والأخطر أن فشل مشروع حصر السلاح بيد الدولة قد يُفهم في طهران وفي العراق باعتباره دليلاً على أن الدولة العراقية غير قادرة على اتخاذ قرار مستقل عندما يصطدم القرار بمصالح القوى المسلحة المرتبطة بإيران.

وهنا تبدأ مرحلة أكثر خطورة.

فإذا بقي السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة، فقد يجد العراق نفسه أمام دوامة إيرانية أكثر عمقاً من السابق؛ ليس لأن إيران تحتاج إلى احتلال العراق عسكرياً، وإنما لأن امتلاكها نفوذاً سياسياً وأمنياً عبر قوى عراقية مسلحة يمنحها قدرة على التأثير في القرار العراقي من الداخل.

وهذا هو السيناريو الذي ينبغي أن يقلق العراقيين.

فالعراق لا يستطيع أن يكون دولة مستقلة في سياستها الخارجية، بينما توجد داخله قوى مسلحة تستطيع أن تجعل أراضيه جزءاً من صراعات المنطقة.

ولا يستطيع أن يطلب من الولايات المتحدة احترام سيادته، بينما لا تستطيع حكومته نفسها أن تفرض احتكارها للقوة.

ولا يستطيع أن يطالب إيران بعدم التدخل في شؤونه، إذا بقيت قوى عراقية تمتلك السلاح والقدرة على تنفيذ أجندات تتجاوز القرار الحكومي.

وهنا يصل السؤال إلى واشنطن:

ماذا ستفعل أمريكا إذا فشل الزيدي؟

هل ستكتفي بالمراقبة؟

هل ستعتبر أن الحكومة العراقية بذلت ما تستطيع، أم ستنتقل إلى مرحلة أخرى من الضغط السياسي والأمني؟

الأمر يعتمد على طبيعة الفشل وما يترتب عليه. فإذا أصبح واضحاً أن السلاح خارج الدولة هو الذي يمنع بغداد من ممارسة سيادتها، فإن واشنطن لن تنظر إلى الملف باعتباره شأناً عراقياً داخلياً فقط، خصوصاً إذا أصبحت هذه القوى المسلحة قادرة على تهديد القوات والمصالح الأمريكية أو حلفاء واشنطن في المنطقة.

لكن العراق لا ينبغي أن ينتظر أمريكا كي تحل مشكلته.

هذه معركة عراقية أولاً.

والاختبار الحقيقي للزيدي ليس قدرته على إصدار القرارات، وإنما قدرته على تنفيذها. فالعراقيون لا يحتاجون إلى بيانات جديدة عن الدولة وهيبتها؛ يريدون أن يروا الدولة وهي تمارس سلطتها فعلاً.

إذا نجح، سيكون قد وضع اسمه في واحدة من أصعب معارك بناء الدولة العراقية الحديثة.

وإذا فشل، فقد لا يخسر الزيدي وحده.

قد تخسر الدولة فرصة نادرة لاستعادة قرارها، وقد تدخل البلاد مرحلة جديدة تصبح فيها القوى المرتبطة بالسلاح أكثر قوة، ويصبح النفوذ الإيراني أكثر رسوخاً داخل القرار العراقي.

لهذا السبب يراقب العراقيون الزيدي اليوم. في واحدة من أخطر المعارك السياسية وربما العسكرية في الداخل العراق من أجل استعادة سيادة الدولة وقرارها الوطني .

التعليقات معطلة.