كلما اشتدت الأحداث في الشرق الأوسط، ارتفعت الأصوات التي تبحث عن تفسير واحد لما يجري: هل هو اتفاق أم حرب؟
هل هو صراع حقيقي أم مسرحية سياسية؟ هل نحن أمام مشروع لإسقاط أنظمة أم أمام تفاهمات سرية بين الخصوم؟
لكن المشكلة أن كثيراً من المراقبين ما زالوا يحاولون فهم مشهد القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن العشرين.
فالذي يجري اليوم لا يشبه الحروب التقليدية التي عرفناها، ولا يشبه التحالفات الصلبة التي كانت تحكم النظام الدولي في العقود الماضية.
نحن أمام مرحلة انتقالية كبرى، تتصارع فيها القوى على شكل النظام القادم أكثر مما تتصارع على وقائع اللحظة الراهنة.
من هنا تبدو التصريحات متناقضة. واشنطن تهدد ثم تفاوض. طهران تتوعد ثم ترسل إشارات تهدئة. إسرائيل تصعد عسكرياً لكنها تدرك أن القوة وحدها لا تصنع استقراراً دائماً.
هذه التناقضات ليست دليلاً على غياب الرؤية، بل قد تكون جزءاً من إدارة الصراع نفسه.
فالهدف الظاهر هو كسب جولة، أما الهدف الحقيقي فهو رسم حدود النفوذ لعقد أو عقدين قادمين.
ولهذا فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت هناك حرب أو اتفاق، بل ما إذا كانت المنطقة تشهد إعادة هندسة استراتيجية شاملة.
المؤشرات كافة توحي بأن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل عميقة.
إلا أن إعادة التشكيل هذه لا تعني بالضرورة تغيير الحدود السياسية كما يعتقد كثيرون.
فالخرائط لا تتغير دائماً بالقلم والمساطر، بل قد تتغير عندما تتبدل مراكز القوة، ومسارات التجارة، وخطوط الطاقة، والتحالفات الأمنية، ومواقع التأثير الإقليمي.
قد تبقى الحدود كما هي، بينما تتغير وظيفة الدولة ومكانتها ودورها بالكامل.
لهذا فإن الحديث عن تقسيم شامل للمنطقة أو إعادة رسم خرائطها يجب أن يُقرأ بحذر شديد.
فالقوى الكبرى تعلم أن تغيير الحدود عملية مكلفة وخطيرة، وقد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها.
لكن ما يبدو أكثر واقعية هو السعي إلى إنتاج توازنات جديدة، وتحويل بعض الدول من مراكز نفوذ إلى مناطق احتواء، ومن ساحات صراع إلى عقد اقتصادية، أو العكس.
وفي قلب هذا المشهد يقف العراق.
فالعراق ليس مجرد متلقٍ لنتائج الصراع، بل يمثل إحدى أهم العقد الجيوسياسية في المنطقة.
إن موقعه وثرواته وتركيبته الاجتماعية وصلاته الإقليمية تجعله جزءاً من معادلة التوازن المقبلة، سواء أراد ذلك أم لم يرد.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي.
فالدول التي لا تمتلك مشروعاً وطنياً واضحاً تصبح مادة خاماً في مشاريع الآخرين.
أما الدول التي تمتلك رؤية وطنية وسيادة قرار فإنها تتحول من ساحات للصراع إلى شركاء في صناعة التوازن.
لذلك فإن المعركة الأهم في العراق ليست معركة عسكرية، بل معركة بناء الدولة القادرة على حماية قرارها الوطني من أي نفوذ خارجي، أياً كان مصدره.
إن المنطقة كلها تقف اليوم بين نظام قديم يتآكل ببطء، ونظام جديد لم تتضح ملامحه النهائية بعد.
وفي مثل هذه المراحل تكثر الضبابية، وتتضارب القراءات، وتختلط الحقائق بالشائعات.
لكن الحقيقة الثابتة أن التاريخ لا يتحرك وفق رغبات المتشائمين ولا أحلام المتفائلين، بل وفق موازين القوة والإرادة والقدرة على التكيف.
ولهذا فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل الشرق الأوسط ليس من انتصر في هذه الجولة أو تلك، بل من امتلك القدرة على صياغة قواعد المرحلة المقبلة.
فالأمم لا تُقاس بما تواجهه من أزمات، بل بما تملكه من قدرة على تحويل الأزمات إلى فرص لبناء مستقبلها.
وما بين ضجيج الحرب وهمس التفاوض، وبين الفوضى الظاهرة والنظام الذي يتشكل في الخفاء، يظل الشرق الأوسط واقفاً على أعتاب مرحلة قد تكون من أكثر مراحل تاريخه الحديث تأثيراً في رسم ملامح العقود القادمة.
#ميان

