المشروع الوطني في العراق

4

 

 

“العراق يحتاج دولة…. لا سلطة؛ “

 

الورقة الرابعة

 

سوء قراءة التوازنات الدولية والإقليمية وتأثيرها على المشروع الوطني

 

حدود الفعل الوطني في عالم تحكمه المصالح

 

لا يتحرك أي مشروع وطني في فراغ، بل يتشكل دائمًا داخل شبكة معقدة من التوازنات الدولية والإقليمية التي تحدد حدود الممكن السياسي ومسارات التغيير. وفي التجربة العراقية لم يكن تعثر المشروع الوطني ناتجًا عن عوامل داخلية فقط، بل ارتبط أيضًا بضعف فهم البيئة الدولية والإقليمية التي تؤثر في مسارات التحول والاستقرار.

فقد غاب في كثير من الأحيان الإدراك الواقعي لطبيعة النظام الدولي وآليات تأثيره في التحولات الداخلية، مما أدى إلى تصورات غير دقيقة عن العلاقة بين المشروع الوطني ومصالح القوى الدولية والإقليمية. ولم يقتصر الخلل على سوء فهم هذه التوازنات، بل امتد أحيانًا إلى الاعتقاد بإمكانية تجاوزها أو تجاهلها بالكامل، وكأن الإرادة الوطنية وحدها كافية لتغيير الواقع دون مراعاة المعادلات التي تحكم البيئة المحيطة.

إن نجاح أي مشروع وطني لا يتوقف على عدالة أهدافه فحسب، بل على قدرته على العمل ضمن الواقع القائم وفهم حدود الممكن داخله، لأن المشروع الوطني ليس مشروعًا أخلاقيًا مجردًا، بل مشروع دولة يسعى إلى الاستقرار والاستمرار.

طبيعة النظام الدولي وحدود التغيير

يقوم النظام الدولي المعاصر على شبكة متداخلة من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، وتحدد هذه المصالح مواقف الدول من أي تحول داخلي في دولة ما، سواء عبر دعمه أو احتوائه أو إعاقته.

فالقوى الدولية لا تتعامل مع مشاريع التغيير من منطلق القيم والشعارات وحدها، بل من زاوية الاستقرار والمصالح وموازين القوى. ولهذا فإن أي مشروع وطني لا يراعي هذه المعادلات يبقى معرضًا للعزلة أو الاحتواء أو الفشل مهما كانت مشروعية أهدافه داخليًا.

ومن هنا يصبح فهم البيئة الدولية جزءًا من بناء المشروع الوطني نفسه، لا قضية منفصلة عنه أو مؤجلة إلى ما بعد التغيير.

مظاهر الخلل في قراءة التوازنات الدولية

ظهر القصور في فهم البيئة الدولية من خلال عدة ممارسات واضحة.

أولها الخلط بين الاستقلال والعزلة، حيث جرى التعامل مع الاستقلال الوطني أحيانًا بوصفه قطيعة مع العالم، بدل فهمه باعتباره قدرة على بناء علاقات متوازنة تحمي المصالح الوطنية دون الارتهان للخارج أو الانغلاق عنه.

كما غاب الفهم الواقعي لمصالح القوى الدولية والإقليمية، مما أدى إلى تبني مواقف سياسية غير قابلة للتطبيق أو غير قادرة على الصمود أمام الضغوط والمتغيرات.

وفي الوقت نفسه افتقد الحراك السياسي تصورًا واضحًا لموقع العراق في النظام الإقليمي والدولي، أو لشكل العلاقات التي ينبغي بناؤها مع الفاعلين الخارجيين. وغالبًا ما اتسم الخطاب السياسي بطابع عاطفي أو شعاري لا ينسجم مع طبيعة العلاقات الدولية التي تحكمها المصالح والتوازنات لا النوايا والرغبات.

ولم يتوقف الخلل عند حدود سوء الفهم، بل امتد في بعض الحالات إلى انتقال قوى سياسية من إدارة العلاقات الخارجية إلى الارتهان لمحاور إقليمية ودولية متنافسة، فتحولت بعض القوى العراقية إلى جزء من صراعات الآخرين بدل أن تكون جزءًا من مشروع وطني يحمي مصالح العراق. وبدل أن يصبح العراق لاعبًا في معادلات المنطقة، وجد نفسه في كثير من الأحيان ساحة تتنافس فيها القوى المختلفة على النفوذ والتأثير.

العراق بين الجغرافيا السياسية ومتطلبات الدولة

ويعود جانب مهم من هذه الإشكالية إلى الموقع الجيوسياسي للعراق نفسه. فالعراق يقع في نقطة تقاطع حساسة بين الخليج العربي وإيران وتركيا وبلاد الشام، كما يشكل عنصرًا مهمًا في معادلات الطاقة والتجارة والاتصال الإقليمي.

هذا الموقع جعل العراق عبر تاريخه الحديث موضع اهتمام دائم من القوى الإقليمية والدولية. ولذلك فإن جزءًا من التدخلات الخارجية يرتبط بضعف الدولة العراقية، لكن جزءًا آخر يرتبط بأهمية العراق الجيوسياسية ذاتها.

وهذه حقيقة ينبغي إدراكها بدقة، لأن بناء دولة قوية قد يحد من أشكال التدخل والاختراق، لكنه لا يلغي اهتمام القوى المختلفة بالعراق أو سعيها للتأثير في مساراته. فالموقع الجغرافي لا يمكن تغييره، لكن يمكن إدارة نتائجه بفاعلية أكبر.

إن إدراك هذه الحقيقة لا يعني القبول بتحويل العراق إلى ساحة نفوذ، بل يستلزم بناء سياسة وطنية قادرة على إدارة هذا الموقع المعقد وتحويله من مصدر للصراع إلى عنصر توازن وقوة في العلاقات الإقليمية والدولية. 

العلاقة بين ضعف الداخل وتصاعد التدخل الخارجي

لا يمكن فهم التأثير الخارجي بمعزل عن الواقع الداخلي، فالعلاقة بينهما علاقة متبادلة ومستمرة.

فكلما ضعفت مؤسسات الدولة، وتعمقت الانقسامات السياسية، وتراجعت القدرة على إدارة المصالح الوطنية بصورة موحدة، ازداد هامش التأثير الخارجي واتسعت فرص التدخل في الشأن العراقي.

ولهذا فإن مواجهة التدخلات الخارجية لا تبدأ بالشعارات، بل تبدأ ببناء مؤسسات قوية ودولة قادرة على فرض القانون وإدارة مصالحها الوطنية بكفاءة. فالدولة المتماسكة تقلل من قدرة الآخرين على التأثير في قراراتها، بينما تتحول الدولة الضعيفة إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات والصراعات.

نتائج القصور في الفهم الاستراتيجي

لم يكن الخلل في قراءة الواقع الدولي مسألة نظرية، بل ترك آثارًا مباشرة على مسار المشروع الوطني.

فقد أدى إلى غياب الدعم أو التفهم الدولي لأي مشروع تغيير، وأضعف قدرة القوى الوطنية على تقديم بديل مستقر يمكن التعامل معه خارجيًا. كما ساهم في زيادة الضغوط والتدخلات الخارجية نتيجة غياب رؤية واضحة لإدارة العلاقات الدولية والإقليمية.

وانعكس هذا الوضع على الداخل العراقي نفسه، حيث تعثر مسار الاستقرار السياسي بسبب غياب التوازن في إدارة العلاقات الخارجية، وبقاء العراق ساحة للتجاذبات بدل أن يكون طرفًا فاعلًا فيها.

المشروع الوطني والبيئة الدولية

لا يعني بناء مشروع وطني مستقل الانفصال عن العالم أو الدخول في مواجهات غير محسوبة، بل يتطلب فهم المصالح الدولية والإقليمية وبناء علاقات متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل وحماية السيادة عبر إدارة التوازنات لا تجاهلها.

فالموقع الجيوسياسي للعراق يمكن أن يكون عنصر قوة إذا أُحسن توظيفه، كما يمكن أن يتحول إلى مصدر دائم للصراع إذا أُسيء التعامل معه. والمشروع الوطني الناجح هو القادر على التفاعل مع البيئة الدولية بواقعية، دون التفريط بالسيادة أو الوقوع في العزلة أو الارتهان.

المسار المطلوب لتجاوز الأزمة

إن تجاوز هذا الخلل يتطلب تطوير رؤية استراتيجية واضحة للعلاقات الدولية، وبناء سياسة خارجية قائمة على المصالح الوطنية المشتركة، وتحقيق توازن مدروس في العلاقات الإقليمية والدولية، وربط الاستقرار الداخلي بإدارة متوازنة للبيئة الخارجية.

كما يتطلب ترسيخ مبدأ أن العراق ليس جزءًا من محاور الصراع الإقليمي، بل دولة مستقلة تسعى إلى بناء شبكة من العلاقات المتوازنة التي تخدم مصالحها وتحافظ على سيادتها.

فلا يمكن تحقيق استقرار سياسي داخلي دائم من دون توازن خارجي واضح، ولا يمكن بناء مشروع وطني فاعل من دون تحديد موقع العراق في النظام الدولي بوصفه دولة صاحبة دور ومصلحة، لا ساحة مفتوحة للصراع.

الخلاصة

تكشف التجربة العراقية أن تعثر المشروع الوطني لم يكن نتيجة عوامل داخلية فقط، بل ارتبط أيضًا بضعف فهم التوازنات الدولية والإقليمية التي تؤثر في مسارات التغيير والاستقرار. فالمشروع الوطني لا ينجح دون قراءة واقعية للعالم، ولا يتحقق الاستقرار دون علاقات خارجية متوازنة تحمي السيادة وتخدم المصالح الوطنية.

إن الموقع الطبيعي للعراق ليس أن يكون جزءًا من محاور الصراع أو ساحة لتنافس الآخرين، بل دولة توازن إقليمي تستثمر موقعها الجغرافي وثقلها الحضاري ومواردها الاقتصادية لبناء شبكة مصالح متبادلة مع الجميع.

ومن هنا فإن أي رؤية وطنية مستقبلية لا بد أن تنطلق من فهم عميق لطبيعة النظام الدولي، وتحديد موقع العراق فيه بوصفه دولة فاعلة قادرة على التأثير في محيطها، لا مجرد ساحة تتنازعها القوى المختلفة.

 

غدا:

“شروط قيام المشروع الوطني وامكاناتة وحدوده التاريخية”

التعليقات معطلة.