في كل مرة يدخل فيها العراق منعطف تشكيل حكومة جديدة، يتكرر المشهد ذاته بصيغ مختلفة: انسداد سياسي في الداخل، توازنات دقيقة بين القوى المحلية، وظل ثقيل لصراع خارجي يفرض إيقاعه على القرار الوطني. وفي قلب هذا المشهد، يتراجع السؤال الأهم: أين يقف الشعب من كل ما يجري؟
المشكلة لم تعد في اختيار اسم رئيس الوزراء بقدر ما هي في طبيعة الآلية التي تُنتج هذا الاختيار. فالمعادلة الحاكمة منذ سنوات تقوم على “التوافق” بوصفه حلاً سحرياً لتجاوز الأزمات، بينما هو في الحقيقة إعادة تدوير لها بصيغة أكثر هدوءاً. رئيس وزراء توافقي يعني عملياً رئيساً بلا ظهير سياسي صلب، محكوماً بتوازنات تمنعه من اتخاذ قرارات جذرية، ومقيداً بشبكة مصالح متداخلة تجعله أقرب إلى مدير أزمة منه إلى صانع قرار.
لكن ما يزيد تعقيد هذه المعادلة هو البعد الخارجي، حيث يتحول العراق إلى ساحة تقاطع بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التنازع لا يظهر دائماً بشكل مباشر، لكنه حاضر في كل تفصيل: في شكل التحالفات، في سقف القرارات، وفي حدود الحركة المسموح بها لأي حكومة. وهنا لا يعود التعطيل مجرد نتيجة خلاف داخلي، بل يصبح جزءاً من توازن إقليمي يُبقي العراق في حالة “لا استقرار محسوب”.
في ظل هذا الواقع، يصبح المشروع الحكومي، أيّاً كان عنوانه، مشروعاً مؤجلاً. لا لأن الخطط غائبة، بل لأن البيئة السياسية لا تسمح بتحويلها إلى سياسات فعلية. كل محاولة للإصلاح تصطدم بسؤال النفوذ، وكل خطوة نحو الاستقلالية تُقرأ كاختلال في ميزان القوى. وهكذا، تتحول الدولة إلى مساحة إدارة مصالح، لا إطاراً لبناء مشروع وطني.
أما الشعب، الذي يُفترض أن يكون مصدر الشرعية، فيجد نفسه خارج المعادلة بعد لحظة الانتخابات. يُستدعى كقوة تصويت، ثم يُعاد إلى الهامش كمتلقٍ للنتائج. لا يشارك في صياغة القرار، ولا يمتلك أدوات حقيقية لمحاسبة من يتخذونه باسمه. وهذا ما يفسر الفجوة المتزايدة بين الشارع والسلطة، حيث يتراكم الإحباط مقابل عجز النظام السياسي عن إنتاج حلول ملموسة.
إن الإتيان برئيس وزراء توافقي في مثل هذا السياق لا يُنهي الأزمة، بل يؤجل انفجارها. هو بمثابة هدنة سياسية تُخدر المشهد دون أن تعالج أسبابه. فالخلل ليس في الأشخاص، بل في القواعد التي تحكم اللعبة: نظام محاصصة يُنتج حكومات ضعيفة، وتأثير خارجي يُقيّد القرار، وغياب رؤية وطنية جامعة تعيد تعريف دور الدولة.
العراق اليوم لا يواجه أزمة تشكيل حكومة فحسب، بل أزمة نموذج حكم. وبينما تستمر القوى السياسية في البحث عن تسوية جديدة، يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل يمكن بناء دولة حقيقية ضمن معادلة تُدار من خارجها وتُفرغ من داخلها؟
الإجابة لن تأتي من اسم رئيس الوزراء القادم، بل من القدرة، إن وجدت، على كسر هذه الحلقة، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها تعبيراً عن إرادة شعب، لا نتيجة توازنات مؤقتة.

