الكتابة والذكاء الاصطناعي

3

طالب الرفاعي
ثمة مهارةٌ واحدة تُفرّق بين سائق سيارة السباق المحترف وبين سائق يجلس خلف المقود: وتتمثل في قدرته على التحكم الكامل بالسرعة في كل لحظة، لا أن تتحكم السرعة فيه. ولهذا لا تعترف سيارات السباق بالناقل الأوتوماتيكي؛ لأن السائق الذي يسلّم زمام قراره لآلة لم يعدّ سائقاً حقيقياً، بل راكب يتمنى ألا تنحرف به الطريق.

هذه ما يجب أن يحمله كل من يجلس أمام منصات الذكاء الاصطناعي. فالإنسان هو السائق، والذكاء الاصطناعي هو الناقل القوي الطيّع. وبقدر ما يكون المرء متمكناً من مادته عارفاً بأسرارها، بقدر ما يستطيع توجيه هذه الأداة وانتزاع أفضل ما فيها. أما حين تتراخى القبضة على المقود، فإنه يسلّم عقله لآلة لا تعرف الفارق بين الصواب والخطأ، بل تعرف فقط كيف تُطيع.

لقد توقّفتُ طويلاً أمام موقف الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك Olga Tokarczuk، الحائزة نوبل الآداب 2018. حين أعلنت أنها لم تعد ترى مكاناً للرواية الكبرى التي تستدعي سنواتٍ من التأمل والحفر في أعماق الإنسان، وأنها باتت تستعين بالذكاء الاصطناعي وهجرت الرواية نحو القصة القصيرة.

قرأتُ هذا وأنا أشعر بشيء يشبه الوجع، كون هذا يحدث في زمن يبحث فيه كثيرون عن مُبرر للاستسلام، ولم أكن أتمنى أن يأتي هذا الاستسلام من كاتبة نوبل.

العمل الروائي الحقيقي ليس بناءً وحبكةً وشخصيات، إنه تقطير حياة. لهذا نقرأ «دوستويفسكي» فنشعر بثقل الروح الروسية المعذّبة، ثم نقرأ مواطنه الكاتب الإنسان «تولستوي» فنشعر وكأننا دخلنا قارة أخرى. والأمر عينه ينطبق في مقارنة متاهات «فوكنر» الجنوبية، ووضوح ومباشرة قصص «همنغواي». فالكتابة المبدعة في أي من الأجناس الأدبية ليست اسلوباً، بل بصمة روح.

وهذا، تحديداً، هو الجدار الذي سيظل الذكاء الاصطناعي يقف عاجزاً أمامه. فما تُقدّمه قصة «تشيخوف» ليس معلومةً تُبرمج، بل الطريقة التي رأى بها الطبيبُ موتَ مرضاه وصمتَ الريف الروسي. وما صنعه الدكتور يوسف إدريس أحد مؤسسي القصة القصيرة العربية الأهم، لا يُوجد في بنك بيانات، بل في شارع مصري ضيّق، ونظرة رجل لطفلة تحمل صينية الكعك على رأسها الصغير. وما في زكريا تامر من وجع متراكم بذكريات الأحياء الدمشقية يخرج على شكل كلمات حادة كالموسى.

لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتألم، ولا أن يُذهله غروب. ومن لا يتألم ولا يُذهل، لا يكتب أدباً، بل يرتّب كلاماً.

أتفق مع توكارتشوك في أن الذكاء الاصطناعي أداةٌ نافعة في البحث والتوثيق والدراسات، وقد تُمثّل فرشةً مفيدة للكاتب. لكني أختلف معها حين تُسوّي بين ما تصنعه خوارزمية وما تصنعه روح تعيش وتتألم وتحلم. القصة القصيرة المبدعة ليست نصاً قصيراً، إنها كونٌ مضغوط. وهذا الضغط لا يصنعه ذكاء اصطناعي.

المجد للكاتب المبدع الذي يأخذ لحظةً عابرة من الحياة ويحوّلها إلى مشهد يسكن ذاكرة القارئ لسنوات. ولن تستطيع منصات الذكاء الاصطناعي مجتمعةً أن تكتب صفحة واحدة خطها مارسيل بروست في «البحث عن الزمن المفقود»؛ تلك الرعشة أمام طعم «مادلين» مغموسة في الشاي، التي فتحت للإنسانية نافذةً على الذاكرة والوجود لم تُغلق حتى اليوم.

الآلة تحفظ وتُنفّذ، والكاتب المبدع وحده يتذكّر، ويخطّ بالوجع ذكرياته الطازجة.

 

التعليقات معطلة.