لو تسنّى للكاتب الفرنسي ماريس لوبيان، مبتكر شخصية اللص النبيل “أرسيين لوبين”، أن يتجوّل اليوم في دهاليز الوزارات العراقية، لربما عاد إلى قبره مرعوبًا، وهو يتمتم: “ما هذا؟ لصوص بلا خيال، بلا أناقة، بلا حتى إحساس بالخطر ! هل هذه سرقة أم حفلة شواء؟!”
نعم، يا سادة، نحن في العراق نعيش زمن “ما بعد اللصوصية”. لقد طوّرنا المهنة، رفعناها إلى مستوى “السرقة السيادية”. لم نعد نحتاج إلى قفازات سوداء أو أنفاق تحت الأرض، بل إلى ختم دائري ومصطلحات قانونية مبتكرة: “استحقاق انتخابي”، “حصة مكون”، “مشروع تنموي” ترجمها لوبين من الفرنسية فقال: “يا للمكر… هذه ليست سرقة، هذه لعبة شطرنج بثلاثة أطراف: اللص، الدولة، والمواطن الغافل!”
اللص بين باريس وبغداد
في روايات لوبيان، كان أرسيين لوبين لصًا محترفًا، لكنه مثقف، نبيل، لا يسرق إلا من الأغنياء الجشعين، لا يمس الضعفاء، ويُرجع المسروقات أحيانًا إن شعر بالذنب. أما في العراق، فلدينا نوع جديد من اللصوص:
يسرق من الفقير، ويشرد اليتيم، ويحرم الأرملة من راتبها،
ثم يخرج على الإعلام ليحدّثنا عن “الوطنية” و”السيادة” و”العدالة الانتقالية”!
لوبين كان يهرب من الشرطة… أما هؤلاء، فهم يصنعون الشرطة ويمنحونها أوامر التغطية.
لوبين كان يترك بصماته عن قصد، تلميحًا بذكائه. أما هم؟ فيتركون آثارهم عمدًا، لكنهم ينامون مطمئنين لأن القضاء “مشغول بتهمة سبّ موظف صغير على فيسبوك”.
لماذا لوبيان يشعر بالغيرة من اللص العراقي؟
لأن لص العراق لا يكتب رسائل تهديد، بل بيانات رسمية.
لا يضع خططًا معقدة، بل ميزانية سنوية .
لا يهرب على السطوح، بل يركب الطائرة الرئاسية .
والأهم من كل شيء: لا يخشى المحاكمة، لأن المحقق قد يكون شريكه .
لصوصنا المحليون لا يتقنون الكرّ والفرّ، بل يتقنون الكرّ فقط… على أموال الشعب. ثم يعيدون استثمارها في قنوات فضائية وعمائم ومهرجانات ثقافية و”حوارات وطنية”.
حوار خيالي بين لوبيان وأحدهم:
لوبين: “كم سرقت؟” اللص العراقي: “٣ مليار دولار فقط، هذا قبل تشكيل الحكومة!” لوبين: “يا رجل! كيف نمت بعد ذلك؟” اللص العراقي: “نمت في جناح رئاسي في بيروت، برعاية شركة تأمين حكومية.”
ماذا لو كتب لوبيان رواية عن العراق؟
ربما كانت ستُسمى: “أرسيين لوبين في بغداد: مغامرة في جمهورية المغارات المفتوحة” وفيها سيكتشف أن السرقة في العراق ليست فعلاً مجرمًا… بل مؤهّلًا للترقي الوظيفي .
سيجد في العراق أن اللص لا يسرق وحده، بل يكوّن “تحالفًا سياسيًا” وأن القضاء لا يحاكم… بل ينتظر الضوء الأخضر من دولة خارجية. وأن الشعب، رغم وعيه، يصفّق لصًّا على المنصة لأنه “ابن عشيرته”، ويبكي حين يُسرق راتبه في الصراف الآلي .
رسالة اعتذار إلى لوبيان
عزيزي أرسيين لوبين، نحن آسفون، لقد خذلناك. لقد دنّسنا اسم “اللص”
فلا تعتب علينا يا لوبين… فنحن لم نعد نعيش في زمن اللصوص، بل في زمن “رجال الدولة” الذين سرقوا حتى قاموس الأخلاق، واستبدلوا مفرداته بتصريحات صحفية وشعارات وطنية. هنا، في أرض الرافدين، لم يبقَ شيء لم يُنهب: التاريخ نُهب، الحاضر مُصادر، والمستقبل يُباع بالتقسيط في مزادات السياسة. فلو كنت بيننا اليوم، لما كتبت رواية… بل صرخة! ولما ارتديت قناع اللص، بل رُبما طالبت بحق اللجوء الأخلاقي!
وداعًا يا لوبين… لصوصك كانوا ظرافًا، أما لصوصنا؟ فـ”سياديون” بشرعية دولية وإقليمية… ضد الشعب ومصالحه الوطنية!

