المشروع الوطني العراقي

7

 

العراق يحتاج دولة… لا سلطة

الورقة الثانية عشرة

المشروع الوطني والعلاقات الدولية للعراق
رؤية ما بعد تجربة ٢٠٠٣

مقدمة
إذا كانت الهوية الاستراتيجية للدولة العراقية تحدد موقع العراق في العالم، فإن العلاقات الدولية هي الأداة التي تُترجم هذه الهوية إلى سياسات ومواقف ومصالح.
وقد كشفت تجربة ما بعد ٢٠٠٣ عن واحدة من أخطر أزمات الدولة العراقية الحديثة، وهي غياب التمييز بين العلاقات الدولية للدولة والعلاقات الخارجية للقوى السياسية.
فكلما ضعفت الدولة، تمددت الفواعل غير الرسمية في المجال الخارجي، وتحولت السياسة الدولية من وظيفة وطنية إلى ساحة تنافس بين الولاءات والانتماءات المتعددة.
ومن هنا تأتي أهمية بناء رؤية وطنية جديدة للعلاقات الدولية تجعل العراق فاعلاً في محيطه لا ساحةً لتنافس الآخرين عليه.
أولاً: أزمة العلاقات الدولية بعد ٢٠٠٣
لم تكن أزمة العراق الخارجية مرتبطة فقط بالاحتلال أو التحولات الإقليمية، بل ارتبطت أيضاً بغياب رؤية وطنية موحدة تجاه العالم.
فقد شهدت المرحلة اللاحقة لـ٢٠٠٣:
تعدد مراكز القرار الخارجي.
تداخل المصالح الحزبية مع المصالح الوطنية.
تضارب الخطابات السياسية تجاه القوى الإقليمية والدولية.
تحول العراق في كثير من الأحيان إلى ساحة انعكاس لصراعات الآخرين.
وبذلك أصبحت السياسة الخارجية امتداداً لأزمة الدولة نفسها.
ثانياً: مبدأ الدولة أولاً
يقوم المشروع الوطني على قاعدة أساسية:
ليست هناك علاقات دولية للمكونات أو الأحزاب أو الجماعات، بل علاقات دولية للدولة العراقية فقط.
فالدول هي التي تعقد الشراكات وتبرم الاتفاقيات وتحدد المصالح العليا.
أما تعدد مراكز القرار الخارجي فيؤدي بالضرورة إلى إضعاف السيادة وإرباك الموقف الوطني.
ولهذا فإن نجاح السياسة الخارجية يبدأ من حصر تمثيل العراق الخارجي بمؤسسات الدولة الدستورية وحدها.
ثالثاً: المصالح الوطنية بوصفها معياراً للعلاقات
لا يقوم المشروع الوطني على مفهوم الصداقة الدائمة أو العداوة الدائمة.
بل على مفهوم أكثر استقراراً:
المصالح الوطنية الدائمة.
وعلى هذا الأساس تُقاس العلاقات الدولية بمدى مساهمتها في:
حماية السيادة العراقية.
تعزيز الأمن الوطني.
دعم التنمية الاقتصادية.
نقل المعرفة والتكنولوجيا.
تعزيز مكانة العراق الإقليمية والدولية.
أما العلاقات التي تضعف هذه الأهداف فيجب إعادة تقييمها مهما كانت طبيعتها.
رابعاً: العراق وسياسة التوازن الدولي
إن الموقع الجغرافي للعراق يجعله في نقطة تقاطع بين مصالح دولية وإقليمية متعددة.
ولهذا فإن السياسة الأكثر انسجاماً مع المشروع الوطني هي سياسة التوازن.
فالعراق لا يحتاج إلى الانضمام لمحاور مغلقة، كما لا يستطيع الدخول في مواجهات مفتوحة مع محيطه.
إنما يحتاج إلى:
شراكة متوازنة مع الولايات المتحدة.
علاقة مستقرة مع إيران قائمة على الاحترام المتبادل.
انفتاح استراتيجي على العمق العربي.
تعاون اقتصادي وسياسي مع تركيا.
توسيع الشراكات مع أوروبا وآسيا والقوى الصاعدة.
بما يضمن تنويع الخيارات وعدم الارتهان لطرف واحد.
خامساً: العراق من ساحة نفوذ إلى مركز توازن
طوال عقود طويلة جرى التعامل مع العراق بوصفه ساحة تنافس إقليمي ودولي.
لكن المشروع الوطني ينطلق من رؤية مختلفة:
العراق ليس ساحة نفوذ، بل دولة محورية.
ولهذا فإن الهدف الاستراتيجي ليس إدارة النفوذ المتصارع داخل العراق، بل بناء دولة قادرة على تحويل موقعها الجغرافي ومواردها وإمكاناتها إلى عناصر قوة وتأثير.
فالاستقرار العراقي ليس مصلحة عراقية فقط، بل مصلحة إقليمية ودولية أيضاً.
سادساً: العلاقة بين قوة الدولة وقوة السياسة الخارجية
لا يمكن بناء سياسة خارجية مستقلة من دون دولة قوية.
فكل اختلال داخلي ينعكس مباشرة على قدرة العراق في الدفاع عن مصالحه الخارجية.
ولهذا فإن:
إصلاح المؤسسات.
ترسيخ سيادة القانون.
مكافحة الفساد.
بناء اقتصاد منتج.
احتكار الدولة للسلاح.
ليست ملفات داخلية فقط، بل شروط أساسية لاستقلال القرار الخارجي.
خاتمة الورقة الثانية عشرة
إن المشروع الوطني العراقي لا ينظر إلى العلاقات الدولية بوصفها مجالاً منفصلاً عن بناء الدولة، بل بوصفها امتداداً طبيعياً له.
فالدولة القوية هي التي تملك سياسة خارجية مستقلة، والسياسة الخارجية المستقلة هي التي تحمي الدولة وتعزز مصالحها.
ومن هنا فإن رؤية ما بعد ٢٠٠٣ لا تقوم على البحث عن راعٍ خارجي جديد، ولا على استبدال تبعية بأخرى، بل على بناء عراق قادر على التعامل مع العالم من موقع الدولة لا من موقع الساحة.
دولة تعرف مصالحها، وتحمي سيادتها، وتبني علاقاتها على أساس التوازن والاستقلال والشراكة المتكافئة.

غدا: ثورة تشرين بوصفها لحظة كشف تاريخي وعتبة نحو وعي الدولة

التعليقات معطلة.