العراق يحتاج دولة… لا سلطة
الورقة الخامسة عشرة
العراق بين المشاريع المستوردة والمشروع الوطني المفقود
مقدمة
على امتداد أكثر من قرن من عمر الدولة العراقية الحديثة، تعاقبت على العراق أفكار وأحزاب وحركات سياسية متعددة، حملت شعارات كبيرة ووعدت العراقيين بالخلاص والنهضة والعدالة والوحدة والتقدم، وقدّم كل منها نفسه بوصفه المشروع القادر على إنقاذ البلاد وحل أزماتها المزمنة.
دخلت إلى العراق الماركسية اللينينية عبر الحركة الشيوعية، والقومية العربية عبر البعث والحركات القومية الأخرى، والإسلام السياسي السني عبر تيارات متأثرة بالإخوان المسلمين، والإسلام السياسي الشيعي عبر حركات وأحزاب استندت إلى مرجعيات فكرية ودينية عابرة للحدود الوطنية. وبين هذه المشاريع نشأت صراعات فكرية وسياسية تحولت مع الزمن إلى صراعات على السلطة والنفوذ.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل هذه العقود هو:
ماذا كانت النتيجة النهائية لكل هذا الصراع؟
هل نجحت تلك المشاريع في بناء دولة مستقرة وعادلة لجميع العراقيين؟
وهل استطاعت تحويل شعاراتها الكبرى إلى واقع يعيشه المواطن؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تمثل نقطة البداية لفهم الأزمة العراقية المعاصرة.
المشاريع الكبرى وصراع الخلاص
دخلت هذه المشاريع وهي تزعم أنها تمثل طريق الخلاص الوطني.
فالشيوعية رفعت شعار العدالة الاجتماعية.
والقومية العربية رفعت شعار الوحدة والنهضة.
والإسلام السياسي رفع شعار إقامة الدولة العادلة المستندة إلى القيم الدينية.
وكانت جميعها تعد العراقيين بمستقبل أفضل إذا وصلت إلى السلطة.
غير أن التجربة العراقية كشفت مفارقة عميقة.
فبدلاً من أن تتحول الدولة إلى الإطار الجامع الذي يخدم جميع المواطنين، تحولت في كثير من الأحيان إلى أداة تخدم المشروع الحاكم.
وأصبح الهدف هو تمكين الأيديولوجيا من الدولة، لا تمكين الدولة من خدمة المجتمع.
لماذا فشلت جميع المشاريع؟
لم يكن الإخفاق سببه بالضرورة سوء النوايا، ولا افتقار هذه المشاريع إلى الأفكار أو الكفاءات، وإنما لأنها جميعاً، بدرجات متفاوتة، جعلت الدولة وسيلة لتحقيق المشروع، بدلاً من أن تجعل المشروع وسيلة لبناء الدولة.
وحين تتقدم الأيديولوجيا على الوطن، يصبح الانتماء للفكرة أقوى من الانتماء للدولة، وتتحول السياسة إلى صراع حول من يمتلك الحقيقة، بدلاً من أن تكون منافسة على خدمة المواطنين.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية التي عاشها العراق طوال القرن الماضي.
الأزمة الحقيقية: غياب المشروع الوطني الجامع
ليست المشكلة أن تلك المشاريع جاءت من خارج العراق، فالأفكار تنتقل بين الأمم منذ آلاف السنين.
وإنما المشكلة أن أياً منها لم ينجح في إنتاج إطار وطني جامع تكون فيه الدولة العراقية المرجعية السياسية العليا فوق جميع المرجعيات الأخرى.
فالشيوعية قدّمت الأممية الطبقية.
والقومية قدّمت الأمة العربية.
والإسلام السياسي قدّم المرجعية العقائدية.
أما العراق نفسه، فقد بقي يبحث عن مشروع يجعل المواطنة هي المرجعية الأولى.
ورغم اختلاف هذه المشاريع، فإنها اشتركت في عجزها عن بناء فكرة عراقية تستوعب جميع العراقيين بوصفهم مواطنين متساوين قبل أي انتماء آخر.
لماذا نجحت دول أخرى؟
عرفت دول كثيرة أحزاباً يسارية ومحافظة وقومية وليبرالية.
لكنها نجحت لأنها اتفقت أولاً على الدولة، ثم اختلفت داخلها.
أما في العراق فقد اختلفت القوى على الدولة نفسها، وعلى هويتها ومرجعيتها، فبقي بناء الدولة مؤجلاً، بينما استمرت الصراعات حول من يمتلك السلطة.
الدولة: غنيمة أم وطن؟
عندما تغيب المرجعية الوطنية الجامعة، تتحول الدولة تدريجياً إلى غنيمة.
ويصبح الوصول إلى السلطة هدفاً بحد ذاته.
وتتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات نفوذ.
ويصبح القانون تابعاً لموازين القوة، بدلاً من أن تكون القوة خاضعة للقانون.
وتتراجع المواطنة، وتضعف العدالة، وتتقدم الانتماءات الفرعية على الانتماء الوطني.
المشروع الوطني… تجاوز للصراع الأيديولوجي
المشروع الوطني لا يسعى إلى استبدال أيديولوجيا بأخرى.
ولا إلى منح السلطة لفئة دون أخرى.
ولا إلى إنتاج زعيم جديد.
إنه يسعى إلى تجاوز منطق الصراع نفسه.
فالمشروع الوطني لا يسأل: من يجب أن يحكم؟
بل يسأل: كيف نجعل من يحكم خاضعاً للقانون مهما كان انتماؤه؟
فالدولة القوية لا تحتاج إلى حاكم معصوم.
بل تحتاج إلى مؤسسات تمنع أي حاكم من إساءة استخدام السلطة.
الدولة التي يحتاجها العراقيون
إن الدولة التي يحتاجها العراقيون ليست دولة حزب.
ولا دولة طائفة.
ولا دولة قومية مغلقة.
ولا دولة جماعة دينية.
إنها دولة المواطنة والقانون والمؤسسات.
دولة تكون فيها الحقوق مستمدة من المواطنة.
والسلطة مقيدة بالدستور.
والثروة الوطنية ملكاً لجميع العراقيين.
والكفاءة معياراً للمسؤولية.
والعدالة التزاماً قانونياً لا شعاراً انتخابياً.
خاتمة
بعد أكثر من قرن من الصراعات الفكرية والسياسية، لم يعد السؤال:
أي الأيديولوجيات كانت على حق؟
ولم يعد السؤال:
من كان الأجدر بالسلطة؟
بل أصبح السؤال الحقيقي:
لماذا بقي العراقي هو الخاسر الأكبر رغم تغير الحكام والشعارات؟
لقد أثبت التاريخ العراقي أن تغيير الحكومات لا يكفي.
وتبديل الشعارات لا يكفي.
واستبدال النخب لا يكفي.
لأن المشكلة كانت دائماً أعمق من الأشخاص.
كانت في غياب الدولة التي تجعل الجميع متساوين أمام القانون.
لقد جُرّبت المشاريع.
وتبدلت الرايات.
وتغيرت الحكومات.
لكن المواطن بقي ينتظر الدولة.
ولذلك فإن المشروع الوطني العراقي لا يعد العراقيين بحاكم مثالي، ولا بمنقذ جديد، بل بدولة تجعل العدالة واجباً قانونياً على كل حاكم، وتحول السلطة من امتياز إلى مسؤولية، وتجعل المواطنة أساس الانتماء، والقانون أساس الحكم، والمؤسسات أساس الاستقرار.
لقد أثبت القرن الماضي أن تغيير الحكام لا يبني دولة، وأن تغيير الشعارات لا يصنع وطنًا. وحدها الدولة التي يخضع فيها الجميع للقانون هي التي تستطيع أن تحمي العراقيين من استبداد الحاكم، ومن صراعات الأحزاب، ومن انقسام المجتمع. وهذا هو جوهر المشروع الوطني العراقي.
غداً: العراقيون يريدون دولة مواطنة وقانون… بغض النظر عمّن يحكم.
.

