من حليف استثنائي إلى شريك مشروط.. كيف تغيّر موقف إدارة ترامب من إسرائيل؟

2



نتنياهو يحاول حصر الأزمة في شخص فانس لكن المشكلة أكبر بكثير

فريق راديو صوت العرب من أمريكا

بدت الضربات العسكرية المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في أواخر فبراير الماضي وكأنها تؤكد دخول العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة من التنسيق الوثيق.

لكن بعد أربعة أشهر فقط، كشفت التطورات السياسية عن واقع مختلف، إذ تواجه إسرائيل إدارة أمريكية لم تعد تنظر إليها باعتبارها استثناءً دائمًا في سياستها الخارجية، بل حليفًا يخضع لمعادلة “أمريكا أولًا” مثل غيره، وفقًا لموقع “بوليتكو“.

وبرز نائب الرئيس جيه دي فانس باعتباره أكثر المسؤولين تعبيرًا عن هذا التحول، بعد تصريحاته التي حذر فيها إسرائيل من الدخول في مواجهة مع الإدارة الأمريكية، مؤكدًا أن واشنطن تمثل حليفها الأقوى وربما الوحيد في المرحلة الحالية.

فانس ليس أصل الأزمة

وترى مصادر أمريكية وإسرائيلية مطلعة أن الأزمة لا ترتبط بشخص نائب الرئيس فحسب، وإنما تعكس تغيرًا أوسع داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب، حيث لم تعد إسرائيل تتمتع بالمكانة الخاصة التي اعتادت عليها في العقود الماضية داخل السياسة الخارجية الأمريكية.

ويقول مسؤولون إن تل أبيب كانت تعتقد مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض أن دعم واشنطن سيظل استثناءً ثابتًا من سياسة “أمريكا أولًا”، إلا أن الواقع أثبت أن الإدارة الجديدة لا تنوي منح أي ملف حصانة من أولوياتها الاستراتيجية.

وأكد مستشار سياسي إسرائيلي أن الاعتقاد بإمكانية استمرار إسرائيل كاستثناء دائم كان تصورًا غير واقعي، مضيفًا أن الصدام مع هذه السياسة كان مسألة وقت.

فتور في الاتصالات السياسية

انعكس هذا التحول على وتيرة التواصل بين القيادتين، إذ زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واشنطن خمس مرات خلال عام 2025، بينما لم يقم سوى بزيارة واحدة منذ بداية العام الحالي، دون الإعلان عن أي زيارة جديدة للبيت الأبيض.

كما تراجعت الاتصالات الهاتفية بين الجانبين بصورة ملحوظة، وفقًا لمصدر مطلع على العلاقة بين الحكومتين، الذي أشار إلى أن مستوى التوتر الحالي قد لا يكون ذروة الخلافات بين البلدين.

ورغم ذلك، يؤكد البيت الأبيض أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ما تزال قوية، مشددًا على أن الرئيس ترامب ونائبه يعتبران إسرائيل حليفًا مهمًا، وأن التعاون العسكري بين البلدين ظل قائمًا خلال العملية العسكرية ضد إيران.

تحذيرات غير مسبوقة

أثارت تصريحات فانس اهتمامًا واسعًا بعدما قال إن الرئيس ترامب هو الزعيم الوحيد في العالم الذي لا يزال يقف إلى جانب إسرائيل، مضيفًا أنه لو كان عضوًا في الحكومة الإسرائيلية لما خاطر بالدخول في مواجهة مع الحليف الأقوى المتبقي لها.

وأشار أيضًا إلى أن الولايات المتحدة تتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية الدفاع عن إسرائيل، محذرًا من أن أي مسؤول إسرائيلي يعتبر الرئيس الأمريكي المشكلة الرئيسية لبلاده لا يدرك حجم التحديات التي تواجهها إسرائيل.

ورغم رفض مكتب فانس التعليق، أوضح مصدر مقرب من فريقه أن نائب الرئيس يرى تغيرًا واضحًا في اتجاهات الرأي العام الأمريكي، بما في ذلك داخل القاعدة الجمهورية الشابة، وأن تصريحاته تعكس هذا الواقع الجديد.

موقف قديم يعود إلى الواجهة

لم تكن مواقف فانس تجاه إسرائيل مفاجئة بالنسبة للمراقبين، إذ سبق أن أكد قبل توليه منصب نائب الرئيس أن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل ليست متطابقة دائمًا، وأن واشنطن يجب ألا تدخل حربًا مع إيران دفاعًا عن إسرائيل.

وكان قد صرح خلال مقابلة أجريت عام 2024 بأن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، لكنه شدد على أن المصلحة الأمريكية الأساسية تتمثل في تجنب الحرب مع إيران.

ولهذا السبب فضلت الحكومة الإسرائيلية طوال الفترة الماضية التعامل مباشرة مع ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، معتبرة أن مواقف فانس تمثل رأيًا داخل الإدارة يمكن تجاوزه، غير أن دوره المحوري في مفاوضات إيران كشف أنه أصبح أحد أبرز صناع القرار في السياسة الخارجية الأمريكية.

خلافات الاتفاق مع إيران

ترى إسرائيل أن مذكرة التفاهم التي توصلت إليها واشنطن مع إيران لا تعالج مخاوفها الأمنية الأساسية، إذ تركز على إطلاق مسار تفاوضي بشأن البرنامج النووي الإيراني وتهدف إلى خفض أسعار النفط وضمان الملاحة في مضيق هرمز، دون التطرق إلى برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني أو النفوذ الإقليمي لطهران.

وبالنسبة لتل أبيب، فإن هذه الملفات تمثل جوهر التهديد الذي تواجهه، وهو ما يجعل الاتفاق بعيدًا عن تلبية مطالبها الأمنية.

انتقادات ترامب لنتنياهو

شهدت الأشهر الأخيرة تغيرًا ملحوظًا في لهجة ترامب تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي، إذ انتقده بصورة علنية، ووصفه في وقت سابق من هذا الشهر بأنه “مجنون”، على خلفية التحركات العسكرية الإسرائيلية في لبنان التي اعتبرتها واشنطن مهددة للمفاوضات مع إيران.

وأدى ذلك إلى تراجع نتنياهو عن تنفيذ ضربات كانت مقررة ضد بيروت، وهو ما اعتبره مراقبون انعكاسًا للضغوط التي مارستها الإدارة الأمريكية.

ويرى الباحث ناتان ساكس أن القيادة الإسرائيلية تدرك وجود خلاف مع واشنطن، لكنها لا تزال تقلل من حجم التحول الذي تشهده العلاقات بين البلدين.

لبنان يكشف اختلاف الأولويات

حتى الاتفاق الأخير بين إسرائيل ولبنان، الذي ينص على اتخاذ خطوات نحو إنهاء التوتر، لا يبدو كافيًا لتجاوز الخلافات، لأنه يلزم الحكومتين فقط، بينما لا يفرض التزامات مباشرة على حزب الله.

ويؤكد ساكس أن هذه القضية كشفت اختلافًا واضحًا في ترتيب الأولويات؛ فإدارة ترامب ترى أن التوصل إلى أي تفاهم مع إيران يخدم المصالح الأمريكية، بينما تعتبر إسرائيل أن الملف اللبناني لا يمكن فصله عن أمنها القومي.

نتنياهو يراهن على ترامب

ورغم التوتر الحالي، يحاول مكتب نتنياهو حصر الأزمة في شخص فانس، معتبرًا أنه كان الأكثر حماسًا للتوصل إلى اتفاق مع إيران، بينما لا يزال رئيس الوزراء الإسرائيلي يراهن على إمكانية استعادة الدعم الكامل من ترامب في مرحلة لاحقة.

ويقول مصدر مطلع إن نتنياهو لا يعتبر ما يحدث نهاية للعلاقة، بل يرى أن مواقف ترامب قد تتغير مرة أخرى، كما حدث في ملفات عديدة خلال السنوات الماضية.

في المقابل، يؤكد حلفاء فانس أن نائب الرئيس يعبر عن رؤية الرئيس الأمريكي نفسه، وأن الانسجام بين الرجلين أصبح أكبر بعد الضربات التي استهدفت إيران، مشيرين إلى أن ترامب كان أكثر حدة من فانس في انتقاد نتنياهو خلال الفترة الأخيرة.

مستقبل العلاقة على المحك

ورغم استمرار التعاون العسكري والاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، فإن مسؤولين في البلدين يتوقعون اتساع الخلافات مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر، في وقت لم يعد فيه نتنياهو قادرًا على ضمان دعم أمريكي غير مشروط كما كان يأمل.

وفي المقابل، يشهد الحزب الجمهوري نقاشًا متزايدًا حول شكل العلاقة المستقبلية مع إسرائيل، خاصة مع تصاعد الحديث عن إمكانية ترشح جيه دي فانس للرئاسة عام 2028.

وهو ما يجعل مواقفه الحالية مؤشرًا على توجه جديد داخل التيار المحافظ الأمريكي، يقوم على إعادة تعريف التحالفات الخارجية وفقًا للمصلحة الأمريكية أولًا، حتى لو شمل ذلك إعادة رسم حدود العلاقة التقليدية مع إسرائيل.

التعليقات معطلة.