العراق يحتاج دولة… لاسلطة
الورقة السادسة عشر
العراقيون يريدون دولة مواطنة وقانون… بغض النظر عمّن يحكم
مقدمة
منذ أكثر من مئة عام، والعراق يعيش دوامة لا تكاد تتوقف من الصراعات السياسية والأيديولوجية. تعاقبت الأنظمة، وسقطت حكومات، وصعدت أحزاب، وتبدلت شعارات، وتناوبت على إدارة البلاد نخب سياسية حملت وعوداً كبيرة بالإصلاح والخلاص والعدالة.
لكن النتيجة التي بقيت حاضرة في ذاكرة العراقيين هي أن المواطن ظل ينتظر الدولة التي لم تأتِ بعد بالصورة التي تليق بتضحياته وآماله.
في كل مرحلة من مراحل العراق الحديث، انشغل الساسة والنخب بسؤال: من يحكم؟
بينما كان المواطن البسيط يبحث عن إجابة لسؤال آخر أكثر أهمية:
كيف يُحكم العراق؟
وهذا الفرق البسيط ظاهرياً هو في الحقيقة جوهر الأزمة العراقية.
الدولة لا الحاكم
شهد العراقيون صراع الشيوعيين والقوميين والإسلاميين والليبراليين، واستمعوا إلى خطابات تتحدث عن الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والوحدة القومية والهوية الدينية والديمقراطية والإصلاح.
لكن المواطن الذي وقف لساعات أمام دائرة حكومية، أو عانى البطالة، أو فقد حقه بسبب الفساد والمحسوبية، لم يكن يعنيه كثيراً اسم الأيديولوجيا الحاكمة بقدر ما كان يعنيه وجود دولة تحمي حقوقه وتصون كرامته.
ومع مرور الزمن بدأ يتشكل وعي عراقي مختلف.
وعي لا يبحث عن الزعيم المنقذ، ولا عن الحزب المخلّص، ولا عن العقيدة السياسية التي تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.
بل يبحث عن دولة مؤسسات تجعل الجميع خاضعين للقانون دون استثناء.
فالعراقي الذي عاش عقوداً من الاضطرابات والصراعات اكتشف أن المشكلة ليست دائماً في الأشخاص، بل في النظام الذي يسمح للأشخاص بتجاوز حدودهم.
واكتشف أن العدالة لا تتحقق لأن الحاكم صالح، بل لأن القانون يمنع الحاكم من أن يكون ظالماً.
وأن قوة الدولة لا تُقاس بقوة الحاكم، بل بقدرتها على إخضاع الحاكم للقانون.
السؤال الحقيقي
لذلك لم يعد السؤال الحقيقي لدى قطاعات واسعة من العراقيين:
هل يحكم الإسلامي أم العلماني؟
القومي أم الليبرالي؟
اليميني أم اليساري؟
بل أصبح السؤال الأهم:
هل سيحكم ضمن دولة قانون أم فوق القانون؟
إن الشعوب لا تحتاج إلى حكام مثاليين بقدر حاجتها إلى مؤسسات قوية.
فالحاكم بشر يخطئ ويصيب، أما المؤسسات الرصينة فهي التي تحمي الدولة من أخطاء الأفراد وتقلبات السياسة ومزاج السلطة.
ولعل أكبر مأساة عاشها العراق أن معظم القوى السياسية تعاملت مع الدولة بوصفها وسيلة لتحقيق مشروعها الخاص، لا بوصفها إطاراً وطنياً جامعاً لجميع العراقيين.
ولهذا كانت الدولة تضعف كلما اشتد الصراع على السيطرة عليها.
دولة المواطن
إن العراقيين اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يدركون أن الدولة الحقيقية ليست دولة الحزب، ولا الطائفة، ولا القومية، ولا الجماعة.
بل دولة المواطن.
دولة يكون فيها الانتماء الوطني أعلى من كل الانتماءات الفرعية.
وتكون فيها الحقوق مرتبطة بالمواطنة لا بالهوية السياسية أو الدينية أو الاجتماعية.
فالموظف يريد قانوناً يحميه.
والطالب يريد تعليماً يفتح له المستقبل.
والعامل يريد فرصة عادلة.
والمستثمر يريد قضاءً نزيهاً.
والمواطن يريد خدمات وأمناً واستقراراً.
وهذه المطالب لا علاقة لها بهوية الحاكم بقدر ما ترتبط بطبيعة الدولة التي يديرها.
لأن المواطن لا يعيش داخل أيديولوجيا، بل يعيش داخل دولة.
ولا يحتمي بالشعارات، بل يحتمي بالقانون.
قواعد جديدة للحكم
لقد جُرّبت الشعارات الكبيرة، وتبدلت الرايات، وتناوبت القوى على السلطة.
لكن الحقيقة التي بدأت تفرض نفسها بقوة هي أن العراقيين لا يبحثون عن سلطة جديدة بقدر ما يبحثون عن قواعد جديدة للحكم.
قواعد تجعل القانون فوق الجميع.
والمؤسسات أقوى من الأفراد.
والعدالة حقاً لا منّة.
والمواطنة أساس العلاقة بين الدولة والمجتمع.
هذه هي الدولة التي يريدها العراقيون.
دولة لا يسألون فيها أولاً: من يحكم؟
بل: كيف يحكم؟
فحين تكون الدولة عادلة وقوية ومحكومة بالقانون، يصبح اسم الحاكم أقل أهمية من قدرة المؤسسات على حماية حقوق المواطنين.
أما حين تغيب الدولة، فإن تغيير الحكام لا يغير شيئاً من معاناة الناس.
لقد تعب العراقيون من البحث عن المنقذ، وأصبحوا يبحثون عن الدولة.
وهذا هو الفارق بين أمة تنتظر الأشخاص، وأمة قررت أن تبني المؤسسات.
كلمة أخيرة
بعد أكثر من قرن من الصراعات والانقلابات والحروب والأزمات، لم يعد السؤال الذي يواجه العراق: من يحكم؟
فالعراقيون جرّبوا أنظمة متعددة، وشهدوا صعود أحزاب وشخصيات وشعارات لا حصر لها، لكن الدولة التي تحمي الجميع بقيت غائبة أو ناقصة أو ضعيفة.
لقد علمتنا التجربة العراقية درساً قاسياً، لكنه بالغ الأهمية:
أن مشكلة الأوطان لا تُحل بتبديل الحاكم إذا بقيت قواعد الحكم على حالها.
ولا تُعالج بتغيير الشعارات إذا بقيت الدولة أسيرة الانقسامات والصراعات.
إن الشعوب لا تنهض حين تتفق على الأشخاص، بل حين تتفق على المبادئ التي يخضع لها الجميع.
ولهذا فإن جوهر المشروع الوطني العراقي لم يكن البحث عن سلطة جديدة، ولا الدعوة إلى أيديولوجيا جديدة، ولا الانحياز إلى حزب أو تيار أو جماعة.
لقد كان جوهره البحث عن الدولة.
الدولة التي يشعر فيها المواطن أن حقوقه مصونة مهما كان الحاكم.
والدولة التي يحتمي فيها الضعيف بالقانون لا بالأشخاص.
والدولة التي تكون فيها المواطنة أساس الحقوق والواجبات.
والدولة التي تكون فيها المؤسسات أقوى من الأفراد، والوطن أكبر من الأحزاب، والقانون أعلى من الجميع.
لقد كُتبت هذه الأوراق من موقع المواطن الذي أحب العراق، وخاف عليه، وتألم لأزماته، وآمن بأن مستقبله لا يمكن أن يُبنى على الغلبة والإقصاء، بل على المواطنة والعدالة وسيادة القانون.
ولا يدّعي هذا المشروع امتلاك الحقيقة الكاملة أو تقديم حلول نهائية لكل مشكلات العراق، لكنه محاولة صادقة للمساهمة في فتح نقاش وطني حول الدولة التي يستحقها العراقيون، والدروس التي ينبغي أن نتعلمها من تاريخ طويل من الفرص الضائعة.
فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.
أما العراق فسيبقى أكبر من جميع مشاريعنا وأفكارنا وأحزابنا، لأنه الوطن الذي يجمعنا جميعاً.
وسيظل الأمل قائماً ما دام بين العراقيين من يؤمن بأن بناء الدولة ليس حلماً مستحيلاً، بل مهمة وطنية مؤجلة تنتظر من ينهض بها.
الخلاصة
لم يكن العراقيون بحاجة إلى منقذ جديد بقدر حاجتهم إلى دولة جديدة في معناها ووظيفتها.
دولة تحرس حقوق الجميع، لا سلطة تحكم الجميع.
هذه هي الفكرة التي حاولت أوراق المشروع الوطني العراقي أن تدافع عنها، وهذه هي المهمة التي ما زال العراق مدعواً لإنجازها.
العراقيون يريدون دولة مواطنة وقانون… بغض النظر عمّن يحكم.

