العراق يحتاج دولة… لا سلطة
الورقة الخامسة
شروط قيام المشروع الوطني: إمكاناته وحدوده التاريخية
مقدمة
ليس الحديث عن “مشروع وطني” ترفًا فكريًا أو شعارًا سياسيًا يُرفع في المواسم، بل هو سؤال وجودي لدولة مأزومة مثل العراق: هل يمكن إنتاج مشروع جامع في بيئة ممزقة؟ وإذا كان ذلك ممكنًا، فما شروط قيامه؟ وما حدود قدرته ضمن السياق التاريخي القائم؟
هذه الورقة لا تبحث في المثاليات ولا في الأمنيات، بل تنطلق من الواقع كما هو، بكل تعقيداته وتشوهاته، لمحاولة الإجابة عن سؤال جوهري: ما الذي يجعل المشروع الوطني ممكنًا؟ وما الذي قد يحوله إلى وهم جديد يُضاف إلى سجل الإخفاقات العراقية؟
أولًا: شروط قيام المشروع الوطني
1- الاعتراف بحجم الانكسار لا التغطية عليه
لا يمكن بناء مشروع وطني فوق إنكار الواقع أو تجميله. فالعراق اليوم لا يواجه مجرد أزمة حكومية أو خلل إداري، بل يعيش حالة تداخل بين انقسامات داخلية وتأثيرات خارجية متشابكة. وأول شروط الإصلاح هو الاعتراف بحقيقة الأزمة كما هي، لا كما نرغب أن تكون.
2- إعادة تعريف الوطنية خارج القوالب الحزبية والطائفية
تعرض مفهوم الوطنية خلال السنوات الماضية إلى استهلاك واسع، حتى أصبح أحيانًا مجرد شعار تستخدمه القوى ذاتها التي ساهمت في إضعاف الدولة. لذلك لا يمكن للمشروع الوطني أن ينهض ما لم تُستعد الوطنية بوصفها مصلحة عامة مشتركة، ومعيارًا لحماية الدولة وخدمة المجتمع، لا أداة للتعبئة السياسية أو الاصطفاف الفئوي.
3- وجود نواة قيادية واعية ومتماسكة
التاريخ لا تصنعه الجماهير الغاضبة وحدها، بل تصنعه أيضًا قيادات قادرة على تحويل الغضب إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع، والمشروع إلى مسار عملي. والمشكلة في العراق ليست ندرة الكفاءات، بل تشتتها وتنافرها. لذلك يحتاج أي مشروع وطني إلى نواة قيادية تتفق على الحد الأدنى من الثوابت المتعلقة بالدولة ومصالحها العليا ومستقبلها.
4- استعادة الدولة بوصفها إطارًا جامعًا
المشروع الوطني ليس مشروعًا لهدم الدولة، بل مشروع لاستعادة وظيفتها. فمهما تعرضت مؤسسات الدولة للضعف أو التشوه، فإن إعادة بنائها تظل أقل كلفة من استبدالها أو القفز فوقها. ولذلك فإن نجاح أي مشروع وطني يبقى مرتبطًا بقدرته على إصلاح الدولة وتوجيهها نحو أداء دورها الوطني الجامع.
5- فهم البيئة الدولية والإقليمية والتعامل معها بواقعية
لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح إذا تجاهل البيئة الإقليمية والدولية التي يتحرك ضمنها العراق. لكن الواقعية لا تعني الارتهان للخارج، بل تعني امتلاك القدرة على إدارة المصالح والتوازنات بما يحفظ استقلال القرار الوطني ويمنح العراق مساحة حركة أوسع داخل محيطه.
6- وجود قاعدة اجتماعية واعية لا منفعلة
أي مشروع بلا حاضنة شعبية واعية سيتحول إلى مبادرة نخبوية محدودة العمر. المطلوب ليس جمهورًا غاضبًا فقط، بل جمهورًا مدركًا لطبيعة التحديات، مستعدًا لتحمل كلفة الإصلاح كما يتطلع إلى ثماره.
ثانيًا: إمكانات المشروع الوطني
رغم حجم التعقيد، فإن العراق لا يخلو من عناصر قوة يمكن البناء عليها.
1- الإرهاق العام من النموذج القائم
بعد أكثر من عقدين من الأزمات المتراكمة، باتت قطاعات واسعة من المجتمع والقوى السياسية تدرك أن النموذج القائم يواجه حدودًا متزايدة في قدرته على إنتاج الاستقرار والتنمية. وهذا الإدراك يفتح نافذة لإعادة التفكير بالبدائل الممكنة.
2- فشل المشاريع المنافسة
خلال السنوات الماضية جُربت مشاريع متعددة وشعارات مختلفة، من المحاصصة إلى الرهانات الخارجية ومنطق الغلبة وإدارة الدولة بمنطق الغنيمة، لكن أياً منها لم ينجح في بناء دولة مستقرة وقادرة. وهذا الفشل المتراكم يخلق فرصة تاريخية لطرح مشروع وطني أكثر توازنًا وواقعية.
3- تراجع اليقينيات الأيديولوجية
الخطابات الأيديولوجية والطائفية التي هيمنت على المجال العام فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على الإقناع والتعبئة مقارنة بما كانت عليه سابقًا. ورغم أنها ما زالت حاضرة، إلا أن تراجع تأثيرها يفتح المجال أمام خطاب وطني جامع.
4- تحولات الإقليم
تشهد المنطقة تحولات متسارعة وإعادة ترتيب لموازين القوى والمصالح، مع إدراك متزايد بأن الفوضى المستدامة لم تعد خيارًا مرغوبًا لدى كثير من الأطراف. وقد يتيح ذلك للعراق فرصة لإعادة تقديم نفسه بوصفه عامل استقرار لا ساحة صراع.
5- وجود طبقة شبابية خارج الاصطفافات التقليدية
برز خلال السنوات الأخيرة جيل جديد أقل ارتباطًا بالاستقطابات القديمة وأكثر استعدادًا للبحث عن حلول تتجاوز الانقسامات التقليدية، وهو يمثل أحد أهم الموارد البشرية لأي مشروع وطني مستقبلي إذا وجد الرؤية والقيادة القادرتين على استثماره.
ثالثًا: الحدود التاريخية للمشروع الوطني
إن الإيمان بإمكانية المشروع الوطني لا يعني تجاهل القيود التي تحكم حركته.
1- لا يمكن القفز فوق التوازنات الدولية
التاريخ الحديث للعراق يوضح أن أي محاولة للتغيير تتجاهل موازين القوى الإقليمية والدولية محكومة بمخاطر كبيرة. فالمشروع الوطني لا يعمل في فراغ، بل داخل بيئة دولية تفرض حدودًا معينة على الحركة والتغيير.
2- معالجة السلاح خارج الدولة ليست مسألة داخلية فقط
السلاح خارج إطار الدولة لا يرتبط بعوامل محلية فحسب، بل يتداخل مع حسابات إقليمية وشبكات نفوذ متعددة. ولذلك فإن التعامل معه يحتاج إلى مسار تدريجي وتفاهمات معقدة وإرادة سياسية متماسكة، لا إلى شعارات مجردة.
3- الاقتصاد الريعي يقيّد الاستقلال السياسي
كلما ازداد اعتماد الدولة على مصدر واحد للدخل، ازدادت هشاشتها أمام الضغوط الخارجية والتقلبات الاقتصادية. ولذلك فإن بناء اقتصاد أكثر تنوعًا يمثل شرطًا أساسيًا لتعزيز الاستقلال الوطني على المدى البعيد.
4- الزمن ليس مفتوحًا بلا تكلفة
إن استمرار الأزمات من دون مشروع وطني جامع يعني تعميق الانقسامات وتآكل فرص المعالجة مستقبلاً. لكن في المقابل فإن التسرع في إطلاق مشاريع غير ناضجة قد يقود إلى نتائج أكثر خطورة. والتحدي الحقيقي يكمن في الجمع بين الإلحاح والحكمة.
خاتمة
المشروع الوطني في العراق ممكن، لكنه ليس سهلًا، ومحدود، لكنه ليس مستحيلًا.
فهو ليس ثورة عاطفية عابرة، ولا صفقة سياسية مؤقتة، بل عملية تاريخية طويلة تتطلب وضوحًا في الرؤية، وواقعية في التعامل مع الخارج، وصلابة في الداخل، وقدرة على إدارة التحديات المتراكمة بصبر ومسؤولية.
وأخطر ما يمكن أن يواجه هذا المشروع ليس خصومه فقط، بل الأوهام التي قد تدفع أصحابه إلى تجاهل الواقع أو المبالغة في تقدير الإمكانات.
وفي المقابل، فإن أكبر فرصة أمامه تكمن في اتساع الإدراك الوطني بأن استمرار الأوضاع الحالية لم يعد قادرًا على إنتاج مستقبل أفضل للعراق.
غير أن توافر الشروط وحده لا يكفي، فالمشاريع الوطنية لا تنهض بمجرد وجود الإمكانات، بل تحتاج إلى فاعلين قادرين على تحويل الإمكان إلى فعل، والرؤية إلى مسار، والفرصة التاريخية إلى واقع سياسي.
وهنا يبرز السؤال التالي:
من هم الفاعلون القادرون على حمل المشروع الوطني؟ وما أدوارهم الحقيقية؟ وما حدود تأثيرهم في صناعة التحول؟
هذا ما سنتحدث عنه
غدا في الورقة السادسة:
الفاعلون في المشروع الوطني وأدوارهم وحدود تأثيرهم من الإمكان إلى الفاعلية.

