العراق يحتاج دولة… لا سلطة
الورقة التاسعة
الآفاق المستقبلية ومآلات المشروع الوطني
مقدمة
لا تكتمل قيمة أي مشروع وطني بقدرته على تفسير الماضي أو تشخيص الحاضر فحسب، بل بقدرته على استشراف المستقبل وتحديد الوجهة التي يسعى المجتمع والدولة إلى بلوغها.
وخلال الأوراق السابقة جرى تحليل جذور الأزمة العراقية، وأسباب تعثر الدولة، وأزمة القيادة والتمثيل، وغياب الرؤية الوطنية الجامعة، وتأثير البيئة الإقليمية والدولية على القرار الوطني. أما هذه الورقة فتنطلق من سؤال مختلف:
إذا نجح المشروع الوطني العراقي، فما شكل العراق الذي يمكن أن يولد من رحم هذه التحولات؟ وإذا أخفق، فما المآلات التي قد تواجه الدولة والمجتمع؟
إن أهمية هذا السؤال لا تنبع من الرغبة في التنبؤ بالمستقبل، بل من الحاجة إلى فهم الاتجاهات المحتملة التي ستتحدد على أساسها خيارات العراقيين خلال السنوات القادمة.
ومن هنا فإن المشروع الوطني لا يُنظر إليه بوصفه خياراً سياسياً بين خيارات متعددة، بل باعتباره استجابة استراتيجية لحاجة الدولة العراقية إلى استعادة قدرتها على البقاء والاستقرار والفاعلية.
أولاً: الأفق الداخلي – من مجتمع الانقسام إلى مجتمع الدولة
شهد العراق خلال العقود الماضية تراكماً مستمراً للانقسامات السياسية والاجتماعية والهوياتية، الأمر الذي أضعف قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية وأضعف قدرة المجتمع على إنتاج توافقات مستقرة.
ويفترض المشروع الوطني أن المستقبل الأكثر استقراراً يمر عبر إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة تقوم على المواطنة وسيادة القانون والعدالة المؤسسية.
وفي هذا السياق تبرز مجموعة من التحولات المحتملة:
تعزيز قدرة الدولة على فرض القانون وحماية النظام العام.
ترسيخ مفهوم المواطنة بوصفه أساس العلاقة بين الفرد والدولة.
الحد من الصراعات الأفقية والانقسامات المعيقة للاستقرار.
تحويل التعددية الاجتماعية والثقافية إلى عنصر إثراء وطني لا إلى مصدر تنازع سياسي.
إن النتيجة المتوقعة لهذا المسار تتمثل في بناء مجتمع أكثر تماسكاً ودولة أكثر قدرة على إدارة الأزمات والتحديات دون الدخول في دوائر الانهيار المتكرر.
ثانياً: الأفق السياسي – الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار
أحد أبرز مظاهر الأزمة العراقية تمثل في تحوّل النظام السياسي إلى آلية لإدارة التوازنات والصراعات أكثر من كونه إطاراً لإنتاج السياسات العامة وتحقيق المصالح الوطنية.
ويهدف المشروع الوطني إلى نقل العملية السياسية من منطق التسويات المؤقتة إلى منطق البناء المؤسسي المستدام.
ويقتضي ذلك:
بروز قيادة سياسية تمتلك شرعية وطنية ورؤية استراتيجية.
تعزيز دور المؤسسات الدستورية في صناعة القرار.
تقليص تأثير الولاءات الضيقة على حساب المصلحة العامة.
بناء توافق وطني حول الأولويات الاستراتيجية للدولة.
وعند تحقق هذه الشروط يصبح النظام السياسي أكثر قدرة على إنتاج الاستقرار والفاعلية بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات المتلاحقة.
ثالثاً: الأفق الاقتصادي – من اقتصاد الريع إلى اقتصاد القدرة
لا يمكن لأي مشروع وطني أن يحقق الاستدامة في ظل اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على مورد واحد.
فاستمرار الاعتماد المفرط على النفط يجعل الدولة والمجتمع عرضة للتقلبات الاقتصادية ويضعف القدرة على التخطيط طويل الأمد.
ومن هنا فإن أحد المآلات الرئيسية للمشروع الوطني يتمثل في:
تنويع مصادر الدخل الوطني.
تعزيز القطاعات الإنتاجية.
دعم القطاع الخاص بوصفه شريكاً في التنمية.
بناء بيئة قانونية وإدارية جاذبة للاستثمار.
ربط الشرعية السياسية بقدرة الدولة على تحقيق التنمية وتحسين حياة المواطنين.
إن نجاح هذا المسار من شأنه أن يمنح العراق هامشاً أكبر من الاستقلال الاقتصادي والمرونة في مواجهة الأزمات.
رابعاً: الأفق الإقليمي والدولي – من ساحة للتنافس إلى دولة فاعلة
شكّل الموقع الجيوسياسي للعراق خلال العقود الماضية مصدراً دائماً للضغوط والتجاذبات الإقليمية والدولية.
غير أن المشروع الوطني يفترض إمكانية تحويل هذا الموقع من عبء استراتيجي إلى فرصة استراتيجية إذا امتلكت الدولة رؤية واضحة لمصالحها الوطنية.
ويقتضي ذلك:
بناء سياسة خارجية متوازنة قائمة على المصالح الوطنية.
تجنب الانخراط في محاور الصراع الإقليمي.
تطوير قدرات الدولة التفاوضية والدبلوماسية.
بناء شراكات دولية متنوعة تحفظ الاستقلال الوطني.
وفي حال نجاح هذا التوجه يمكن للعراق أن ينتقل من موقع الدولة المتأثرة بالتحولات الإقليمية إلى موقع الدولة القادرة على التأثير في محيطها.
خامساً: المآلات المحتملة للمشروع الوطني
لا تتحرك الدول في مسار واحد ثابت، بل تبقى نتائج التحولات رهناً بقدرة النخب والمجتمعات على إدارة التغيير.
وبناء على ذلك يمكن تصور ثلاثة مآلات رئيسية:
أفضل السيناريوهات
نجاح المشروع الوطني في إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وتعزيز الاستقرار السياسي، وترسيخ المواطنة، وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، بما يفضي إلى عراق أكثر استقراراً وسيادة وفاعلية.
السيناريو الوسطي
تحقيق إصلاحات جزئية وتحسن نسبي في أداء الدولة، مع استمرار بعض الاختلالات البنيوية التي تحد من سرعة التحول والاستقرار الكامل.
أسوأ السيناريوهات
استمرار منطق الانقسام والمحاصصة وضعف المؤسسات وتفاقم الضغوط الخارجية، بما يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات بصورة دورية ويجعل الدولة أكثر هشاشة أمام التحديات المستقبلية.
خلاصة الورقة
تكشف الآفاق المستقبلية للعراق أن الأزمة الراهنة ليست قدراً محتوماً، كما أن النجاح ليس نتيجة تلقائية.
فالمستقبل سيظل مرتبطاً بالقدرة على الانتقال من إدارة الواقع إلى صناعة المستقبل، ومن منطق السلطة إلى منطق الدولة، ومن ردود الأفعال المؤقتة إلى الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.
وإذا كانت الأوراق السابقة قد أوضحت أسباب التعثر، فإن هذه الورقة تؤكد أن العراق ما زال يمتلك فرصة تاريخية لإعادة بناء دولته واستعادة فاعليته، شريطة أن يتحول المشروع الوطني من فكرة جامعة إلى إرادة سياسية ومجتمعية قادرة على رسم مسار مختلف للمستقبل.
إن السؤال لم يعد ما إذا كان العراق يحتاج إلى مشروع وطني، بل ما إذا كانت القوى السياسية والمجتمعية مستعدة لتحمل مسؤولية إنجازه قبل أن تفرض التحولات الإقليمية والدولية مسارات أخرى قد لا تكون منسجمة مع مصالح الدولة العراقية ومستقبلها.
غدا: خارطة الطريق الوطنية: من الرؤية إلى التحول

