“النجاح الكارثي”… حرب وسلام معا

4


من الصعب إن لم يكن مستحيلاً ترتيب تسوية بين إيران وأميركا وكل منهما يقول إنه منتصر على الآخر في الميدان

رفيق خوري كاتب مقالات رأي






مقر استضافة الجولة السابقة من المفاوضات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد (أ ف ب)

ملخص
الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، التي تواجهها بقوة خارج جغرافيا الحرب، هي نوع من حرب الوجود والإخضاع، لكن اللعبة العسكرية فيها توقفت موقتاً في منتصف الحرب، ولا مجال لربح اللعبة السياسية في حرب ناقصة.

ليس قليلاً ما نجحت بفعله دبلوماسية باكستان في التفاوض وعلى الطريق إليه، نجاح لا فقط في إدارة مفاوضات ماراثونية دامت 21 ساعة بين عدوين في حرب طاحنة، بل أيضاً في الخروج منها بصورة واضحة لما يقبله وما يرفضه وما يطلبه الطرف الأميركي والطرف الإيراني في أي اتفاق ممكن. لكن مفاوضات إسلام آباد كانت محكومة قبل أن تبدأ بما هو دون النجاح أو الفشل، حيث قوة الوقائع وضعف التوقعات. فمن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، ترتيب تسوية بين طرفين يقول كل منهما إنه منتصر على الآخر في الميدان.

وإذا كان من طبائع الأمور أن تنتهي الحروب إلى مفاوضات، فإن التفاوض ليس ضماناً لتسوية إلا في حروب محدودة الأهداف السياسية، أما الحروب التي تأخذ طابع صراع الوجود والإخضاع الكامل، فإن الطرف القوي المنتصر فيها يفرض في المفاوضات على الطرف المهزوم الموافقة على ترجمة الأرباح العسكرية إلى مكاسب سياسية واستراتيجية. والحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران التي تواجهها بقوة خارج جغرافيا الحرب هي نوع من حرب الوجود والإخضاع، لكن اللعبة العسكرية فيها توقفت موقتاً في منتصف الحرب، ولا مجال لربح اللعبة السياسية في حرب ناقصة.

والانطباع السائد بعد مفاوضات قال فيها كل طرف إنه يفاوض و”اليد على الزناد”، التسليم بمعادلة غير عادية: لا الحرب انتهت، ولا باب الدبلوماسية والتفاوض مغلق. شيء من حرب وسلام في آن، وشيء من اللا حرب واللا سلم. الرئيس دونالد ترمب يتوقع أن تعود إيران للمفاوضات، و”تقدم لأميركا ما تريده”. والمسؤولون الإيرانيون يتوقعون في المقابل عودة أميركا للتفاوض، والتسليم بـ”حقوق طهران وخطوطها الحمر”. وهذه توقعات غير واقعية، ولو عاد الطرفان لطاولة المفاوضات. فلا حرب كاملة، ولا تسوية شاملة. لا أحد يعرف متى تعاود أميركا وإسرائيل القتال، أو يقرر ترمب تقديم تنازلات. ولا شيء يوحي، حتى إشعار آخر، أن القرار في طهران قابل للتغيير والنزول إلى ما تحت سقف الخطوط الحمر، وإن كانت الأولوية في الجمهورية الإسلامية هي للحفاظ على النظام، والدفع نحو ضمانات تؤكد الانتقال من وقف النار إلى النهاية الدائمة للحرب.

ذلك أن المخططين للحرب في أميركا وإسرائيل عملوا، بصرف النظر عن كلام السياسيين على ضربات حاسمة وإسقاط النظام، على حرب من جولات متعددة. كل جولة تزيد في ضعف إيران وصولاً إلى تغيير النظام من الداخل، وقادة الحرس الثوري الذين يعرفون أنهم في حرب “لا متماثلة” بالنسبة إلى قوة أميركا، يراهنون على ما راهن عليه الجنرال جياب في حرب فيتنام.

جياب قال “نحن لا نستطيع أن نهزم نصف مليون جندي أميركي في بلادنا، لكننا نعمل على كسر إرادة القتال داخل أميركا”. وهذا ما حصل، وما يركز عليه الحرس الثوري هو استخدام أقوى ورقة في يده هي مضيق هرمز لتشديد الضغوط الاقتصادية على أميركا وحلفائها في المنطقة والعالم وحتى على خصومها، بحيث يتراجع ترمب أمام صعود أسعار النفط والغاز والضغوط في الداخل وحسابات الخوف من خسارة الانتخابات النصفية في الكونغرس، بما ينهي السلطة شبه المطلقة له عبر السيطرة الحالية لحزبه الجمهوري على مجلسي الكونغرس، الشيوخ والنواب.

اقرأ المزيد

حرب إيران تضغط على موازنات دول العالم

صدى الحرب الإيرانية في الداخل السوداني

“ماكدونالدز” وإيران والبابا… مؤتمر سوريالي لترمب

شركة فرنسية: تضرر سوق السلع الفاخرة جراء الحرب على إيران
والسؤال هو، ماذا بعدما فرض ترمب الحصار على الموانئ الإيرانية؟ هل يجنبه ذلك معاودة الحرب أم أن مضاعفات الحصار وردود طهران ستدفعه إلى قتال بأسلحة أقوى؟ الجواب العملي لن يتأخر. والتجارب التاريخية تؤكد أن الشرق الأوسط ​​بصورته الحاضرة منذ الحرب العالمية الأولى ثم الحرب العالمية الثانية هو من “هندسة الحروب”. فلا بلد بعد حرب إيران يبقى كما كان قبلها من دون أن يتغير شيء فيه. لا أميركا، لا إيران، لا إسرائيل، لا دول الخليج، لا العراق ولبنان واليمن وسوريا، لا أوروبا و”الناتو”، لا الصين والهند وباكستان، ولا روسيا وأوكرانيا وحربهما الطويلة. والملامح الظاهرة توحي أن أوضاع الشرق الأوسط ستكون أشد تعقيداً مما هي عليه اليوم، مهما تكن الصيغة المتحولة في الشرق الأوسط الجديد.

ولم يكن غريباً أن يشدد محمد باقر قاليباف على عدم الثقة بواشنطن، ويقول إن الوفد الأميركي برئاسة نائب الرئيس جي دي فانس “فشل في كسب ثقة إيران”. والواقع أن لا ثقة إيران بأميركا بدأت خلال ما فعله المنتصرون بها في الحرب العالمية الثانية، وازدادت بعد الانقلاب الذي دبرته الاستخبارات الأميركية عام 1953 على رئيس الوزراء الوطني محمد مصدق الذي أمم النفط، ثم وصلت إلى الذروة بعد قيام الجمهورية الإسلامية. وفي المقابل فإن واشنطن لا تكتم عدم ثقتها بالملالي، لكن المسألة ليست الثقة أو اللا ثقة، على رغم أهمية الموضوع، بل الحسابات السياسية والمصالح الحيوية. فهذه الحسابات هي التي تقود إيران وأميركا إلى التفاوض على صفقة أو إلى خوض حرب شاملة، وهذا ما حدث في تجاوز اللا ثقة عند التوصل إلى “الاتفاق النووي” عام 2015.

المحلل الاستراتيجي البرلماني لورنس فريدمان يستخدم تعبيراً لافتاً هو “النجاح الكارثي”، وليس أخطر من نصر تعلنه إيران المدمرة سوى نصر تعلنه أميركا وإسرائيل، بعد تدمير إيران من دون ترجمته إلى مكاسب سياسية واستراتيجية، كوارث ما بعد النجاح الناقص ليست أقل من كوارث الفشل والهزيمة.

التعليقات معطلة.