النظافة من الإيمان

1

  صفية مصطفى أمين  

دخلت فيلا كبيرة فى كمبوند معروف. فوجدت الأتربة تغطى خشب المقاعد، وزجاج النوافذ يظهر عليه آثار أمطار الشتاء الماضى. الموائد متسخة والورد جف فى أوانيه. كأننى دخلت بيتا قديمًا أو قصرا مهجورًا لم ينظفه أحد منذ شهور مع أننى أعلم أن صاحب الفيلا رجل ثرى يعمل لديه عدد كبير من العمال!.

ودخلت فى نفس اليوم منزل رجل بسيط من متوسطى الدخل. المنزل من غرفتين، أدهشتنى نظافته وأعجتنى أناقته. الأثاث القليل البسيط مرتب بذوق جميل، الألوان متناسقة بخيال فنان. اللوح البسيطة المعلقة على جدران الحجرة بدت وكأنها من رسم فنان معروف! قالت لى زوجة الرجل البسيط إنها ليس لديها من يعاونها فى المنزل، فهى وأولادها يتعاونون فى تنظيف البيت وطهو الطعام وغسل الملابس. ونظرا لضيق المكان، فإنها تقلب ليلا غرفة الجلوس التى نجلس فيها، إلى غرفة نوم. تعوّد أفراد الأسرة على وضع كل شىء فى مكانه، وعلى أن لكل واحد منهم دورا محدد مكلفا به دون تراخ!.

النظافة ليست وفقًا على الأغنياء وحدهم، لقد رأيت شعوبا فقيرة معدمة حريصة على نظافتها وكأنها تستحم بالصابون والماء الساخن مع أنها تستحم فى مياه النهر!.

 

علمونا فى المدارس فى سنواتنا الأولى أن النظافة من الإيمان. وأذكر أن مديرة المدرسة كانت تمر علينا كل صباح لتتأكد من نظافة أظافرنا وملابسنا وأحذيتنا! لكن- للأسف- الدنيا تغيرت وأصبحت النظافة ترفًا بعد أن كانت ضرورة!.

إذا ركبت المواصلات العامة أو سيارات الأجرة تجد المقاعد متسخة والنوافذ ملوثة بالطين. لو سألت أين مسؤولى النظافة، تكتشف أن الجميع تحول إلى موظفين يجلسون على مقاعد ويرون أن مهنة التنظيف مهنة حقيرة لا تتفق مع كرامتهم وكبريائهم! ولو قلنا إن هذه المركبات تم تنظيفها صباحًا قبل الخروج، وأنها اتسخت من تراب الطريق نكون مخطئين، لأنها تظهر بنفس الاتساخ منذ بداية اليوم!.

فى الماضى كنا نرى سائقى السيارات المنتظرة يمضون وقتهم فى تنظيف السيارات وتلميعها من الداخل والخارج.. ولكن الآن أصبح السائق يعتقد أن مهمته تقتصر على قيادة السيارة فقط مع أن قائدى السيارات فى كل انحاء العالم يهتمون بالسيارة كأنها سيارتهم الخاصة، يهتمون بنظافتها ويدرسون آلاتها ويكشفون على البطارية والزيت والعجلات والموتور!

حكى لى صديق أنه أراد أن يسند إدارة شركته إلى شاب من الموظفين الذين يعملون معه، فاستدعاه إلى مكتبه فى الصباح الباكر فوجده غير مهندم، لم يغسل وجهه ولم يحلق ذقنه.. عندئذ عدل عن تعيينه لأنه يؤمن أنه مادام يهمل فى نفسه سوف يهمل فى عمله.

النظافة من الإيمان!.

التعليقات معطلة.